(والعزة صفة أثبتها الله عز وجل لنفسه قال تعالى " وهو العزيز الحكيم " ) لأن اسم الله العزيز يدل على العزة والحكيم يدل على الحكمة .

( وقال " وكان الله قويا عزيزا " وأقسم بها سبحانه كما في حديث الشفاعة " وعزتي وكبرائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله " ) أي يخرج من النار من قال لا إله إلا الله ، هذا الحديث وما في معناه من الأحاديث المطلقة لا بد من قيدها ، من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه كما جاء في حديث آخر ، أي بإخلاص ، أي بعد أن عرف معنى لا إله إلا الله وقام بحقوقها ولم يأت بنواقضها أو تاب التوبة النصوح فقالها ثم مات أو أسلم فقالها صادقا ثم مات ولم يعمل شيئا ، يخرج من النار أناس لم يعملوا شيئا لم يعملوا خيرا قط إلا قول لا إله إلا الله ، هذا يتصور في المؤمن الجديد الذي يعتنق الإسلام والإسلام يجب ما قبله وقال صادقا من قلبه ومات على ذلك ، وعلى كل الذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة لا يبقى في النار من في قلبه أدنى أدْنى أَدنى مثقال ذرة من إيمان ، لا بد أن يكون مآله إلى الجنة ، هذا هو الثابت من عقيدة أهل السنة والجماعة .

وبعد :

( وأخبر عن إبليس أنه قال " فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين " ) إبليس يعرف رب العالمين ويعرف عزته ومع ذلك كافر ، لتعلموا أن الإيمان أمر زائد على المعرفة ، إبليس يعرف الله وقوته وعزته ومع ذلك فهو إبليس ، ليس له وصف أقبح حتى نصفه بوصف آخر ، وجميع الكفار يعرفون ، ولكن لم يؤمنوا ، أقرب مثال لهذا أبو طالب ، يعلم صحة دين محمد صلى الله عليه وسلم ويعز رسوله الله صلى الله عليه وسلم ويكرمه ويحترمه ويدافع عنه ويعلم صحة ما جاء به لكن هذا العلم كله لم يصل إلى درجة الإيمان ، إذن الإيمان أمر زائد على المعرفة ، فقصة أبي طالب محزنة لأنه يخبر عن نفسه ، لأنه عرف صحة ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ويعتذر عن الإيمان بأشياء ليست بعذر عند الله حيث يقول :

ولقد علمت بأن دين محمـد ... من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا

اعتذر بعذرين ( لولا الملامة ) رجل له شعبيته ومكانته بين قومه يلومونه ، لماذا يغير دين عبد المطلب ، ويسبونه ، خاف أو خشي من لسان قريش من لومهم وعتابهم وسبهم ، رفض الإيمان وحاول النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمن في آخر حياته فلقن كلمة التوحيد فرفض حتى قيل للنبي عليه الصلاة والسلام " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " أما تعلق من يتعلق ببعض ما أثر من أبي طالب من الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه وجعل ذلك علامة لإيمانه ، أنه آمن لا ينبغي أن يسير الإنسان وراء العاطفة لئلا يقع في تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي عليه الصلاة والسلام سئل ( هل نفعت عمك أبا طالب بشيء ؟ ) كونه يدافع عنك ويستميت في الدفاع عنك وكان يحميك ويحمي دعوتك هل نفعته بشيء ؟

أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه نفعه حيث رآه في قعر النار فأخرجه إلى ضحضاح من النار يلبس نعلين يغلي دماغه منهما فهو من أخف أهل النار عذابا ولكنه يرى نفسه أنه من أشد أهل النار عذاباوهذا صريح بأنه مات كافرا وقد قال كلمته الأخيرة عند موته ( على دين عبد المطلب ) لذلك نؤكد للمترددين بأنه مات كافرا ولا ينبغي التردد في ذلك لأن التردد في ذلك يؤدي إلى تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فتكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام ردة كذلك يقال بالاختصار في والدي رسول الله صلى الله عليه وسلم .


شرح التدمرية شريط 6