لا أصل ولا صحَّة لمعرفة

مكان قُبور بنات النبيِّ صلى الله عليه وسلم

وأمهات المؤمنين بالبقيع


زعَمَ بعضُ المؤرِّخين وأولُّهم ابن جبير المتوفى سنة 641 معرفة مكان قبور بنات النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أم كلثوم ورقية وزينب رضي الله عنهنَّ بمقبرة البقيع، في مدخل بابها الغربي، وهذا التحديد ليس عليه دليل، قال السمهودي: ( ولم أقف على أصلٍ لِما ذكره ) [1].


وأيضاً: فالمؤرِّخون القُدامى مثل: ابن زبالة ت199، وابن شبَّة ت262، وابن النجَّار ت643، والطبري المكي ت694، والمطري ت741، وغيرهم كثير، وبعضهم سكنَ المدينة: لم يذكروا هذه القبور المزعومة أصلاً، فضلاً عن تحديد مكانها .


وأيضاً: فالذين زعموا معرفة مكان هذه القبور هم مُختلفون في تحديد مكانها [2].


وكذا قبر فاطمة رضي الله عنها لا يُعرف بعينه في مقبرة البقيع: قال المؤرِّخ السمهودي ت911: ( إنما أوجبَ عدمُ العلم بعين قبر فاطمة رضي الله عنها وغيرها من السلف، ما كانوا عليه من عدم البناء على القبور وتجصيصها) [3].


وأيضاً: فلا صحَّة لمعرفة مكان قُبور أُمَّهات المؤمنين رضي الله عنهنَّ بمقبرة البقيع: وإنه من المعلوم أن أمهات المؤمنين رضي الله عنهنَّ اللاتي تُوفِّين بالمدينة قد دُفنَّ في مقبرة البقيع، فعن ( عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنها أوصَت عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ رضيَ اللهُ عنهما: لا تدفنِّي مَعَهُم، وادفنِّي مَعَ صواحبي بالبقيعِ لا أُزكَّى بهِ أبداً ) [4].


وأما تحديد قُبورهنَّ فكلّ الآثار التي وَرَدَت في ذلك غير صحيحة، ومنها: ما رواه ابن شبة ( عن يزيد بنِ السائبِ قال: أخبرني جدِّي قال: لَمَّا حفَرَ عقيلُ بنُ أبي طالبٍ في دارهِ بئراً وقَعَ على حَجَرٍ منقُوشٍ مكتُوبٌ فيهِ: قبرُ أُمِّ حبيبةَ بنتِ صخرِ بنِ حربٍ، فدَفَنَ عقيلٌ البئرَ، وبنَى عليهِ بيتاً، قال يزيدُ بنُ السائبِ: فدخلتُ ذلكَ البيتَ فرأيتُ فيهِ ذلكَ القبرَ )[5].


وهذا الأثر ( في إسناده عبد العزيز بن عمران وهو متروك ) [6]، ومتنه منكر [7].


ومنها: ما رواه ابن شبة أيضاً عن ( محمد بن يحيى قال: سمعتُ من يذكرُ: أنَّ قبرَ أُمِّ سلَمَةَ رضي اللهُ عنها بالبقيعِ، حيثُ دُفنَ محمدُ بنُ زيدِ بنِ عليٍّ قريباً من موضع فاطمةَ بنتِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأنهُ كانَ حَفَرَ فوَجَدَ على ثماني أذرُعٍ حَجَراً مكسُوراً مكتُوباً في بعضهِ: أُمُّ سلَمَةَ زوجُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فبذلكَ عرَفَ أنهُ قبرُها، وقد أمرَ محمدُ بنُ زيدِ بنِ عليٍّ أهلَهُ أن يدفنوهُ في ذلكَ القبرِ بعينهِ، وأن يُحفرَ له عُمقاً ثمانيَ أذرُعٍ، فحُفرَ كذلكَ ودُفنَ فيهِ )[8].


وهذا الأثر ( في إسناده مُبهمٌ ) [9]، ومتنه مُنكرٌ [10].


فتبيَّن مما ذكر عدم صحَّة معرفة قبور بنات النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقُبور مَن مات بالمدينة من أُمَّهات المؤمنين رضي الله عنهنَّ بمقبرة البقيع، وليس مع من يُحدِّد قبورهنَّ أيّ دليل يُعتمدُ عليه، والله تعالى أعلم.


اللهم أعذنا ووالدينا وأهلينا والمسلمين من مضلاَّت الفتن، آمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.


وكتبه عبدالرحمن الشثري


الأربعاء 28 محرم 1437هـ


[1] خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى صلى الله عليه وسلم 2/392 .


[2] يُنظر: المباحث العقدية المتعلقة بالمدينة النبوية ص884-886 رسالة دكتوراه بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية للشيخ ألطاف الرحمن بن ثناء الله وفقه الله.


[3] وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى صلى الله عليه وسلم 3 /221.


ويُنظر في ذكر الاختلاف في موضع قبرها رضي الله عنها: طبقات ابن سعد 8 /30، هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك 4 /1532 لابن جماعة الكناني، الإصابة 8/59 لابن حجر .


[4] رواه البخاري ح1391 ( باب ما جاء في قبرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأبي بكرٍ، وعُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما ).


[5] كتاب أخبار المدينة النبوية 1 /119 ( قبر أم حبيبة زوج النبيِّ صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها ).


[6] قاله المحقق الشيخ عبد الله الدويش رحمه الله . المصدر السابق 1 /119 حاشية رقم 1 .


[7] يُنظر: المباحث العقدية المتعلقة بالمدينة النبوية ص895 .


[8] كتاب أخبار المدينة النبوية 1 /119 ( قبر أم سلمة زوج النبيِّ صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها ).


[9] قاله المحقق الشيخ عبد الله الدويش رحمه الله . المصدر السابق 1 /119 حاشية رقم 2 .


[10] يُنظر: المباحث العقدية المتعلقة بالمدينة النبوية ص898 .