الأرض التي يُحشر الناس عليها يوم القيامة غير أرضنا هذه التي نعيش فيها – واختُلُفَ في التغيير كما سيأتي – يقول الله تعالى مبينًا الأرض التي يُحشر الناس فيها: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [إبراهيم:48]، وتقدم قريبًا حديث سهل بن سعد رضي الله عنه فيه بيان هذا التبديل، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ، عَفْرَاءَ[1]، كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ "، قال سهل أو غيره: " لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ"[2].


 


وأهل العلم في هذا التبديل على قولين:


قيل: إنَّ الأرض كلها تتغير، أي أنَّ حشر الناس يكون في غير هذه الأرض، وقيل: إنَّ التغيير إنما يكون في صفات الأرض، حتى لا يكون فيها لأحد شيء، ولا علامة، وكأنها أرض أخرى جديدة، ولكل واحد من القولين آثار تدل عليه.


 


فـائدة: من أهل العلم من ذكر تقسيمًا جيدًا للحشر، فقسَّمه إلى ثلاثة أنواع:


الأول: حشر الناس بعد بعثهم، وهو ما تقدَّم ذكره.


والثاني: حشر الناس إلى أرض الحساب، وذلك بعد أن يأخذ الله - تعالى- الأرض بقبضته، ويطوي السموات بيمينه.


 


ويدلّ على ذلك:


حديث مجاهِد رحمه الله قال: قال ابن عبَّاس رضي الله عنه: " أَتَدْرِي مَا سَعَةُ جَهَنَّمَ قُلْتُ: لَا، قَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ مَا تَدْرِي، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ قَالَتْ، قُلْتُ: فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: " عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ " وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ"[3].


 


وعند مسلم من حديث عائشة رضي الله عنه قالت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ﴾ [إبراهيم: 84]. فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ فَقَالَ: "عَلَى الصِّرَاطِ"[4].


 


وفي حديث ثوبان - رضي الله عنه- عند مسلم، سأل اليهودي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجَسِرِ"... الحديث[5].


 


والثالث: حشر الناس إلى الجنة والنار، وذلك بعد قضاء الحساب، وتميز الكفار من المؤمنين، يُحشَر الكفار إلى النار على وجوههم، ويُحشر المؤمنون على أقدامهم، والمقربون من المؤمنين يُحشرون على الدواب راكبين.


 


ويدلّ على ذلك:


قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: 34]، وعن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه، أَنَّ رجلا قال: يَا رَسُولَ اللّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: " أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ "، قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى، وَعِزَّةِ رَبِّنَـا"[6].


 


وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ﴾[مريم:85] يعني: راكبين الدواب[7].


 


وعن بَهْزِ بن حكيم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ رِجَالًا وَرُكْبَانًا وَتُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِكُم"[8]، قال أبو عيسى رحمه الله: هذا حديثٌ، حسنٌ، صحيح، وقال الحافظ رحمه الله في الفتح: " سنده قوي "[9].


 


مستلة من: "فقه الانتقال من دار الفرار إلى دار القرار"


[1] عفراء: هي البيضاء المائلة إلى الحمرة، والنقي: هو الدقيق، والمَعْلَم: هو العلامة الدالَّة على شيء، على طريق، أو جبل، أو بيت ونحوهما، فلا أحد يعرف فيها شيئا، ولا علامة.


[2] رواه البخاري برقم (6521)، رواه مسلم برقم (2790).


[3] رواه الترمذي برقم (3241)، قال: " هَذَا حديث حسن، صحيح، غريب من هذا الوجْه"، وحسنه الأرنؤوط في جامع الأصول (10 / 520).


[4] رواه مسلم برقم (2791).


[5] رواه مسلم برقم (2806).


[6] رواه مسلم برقم (2806).


[7] انظر: تفسير ابن كثير (3 /173).


[8] رواه الترمذي برقم (2424).


[9] انظر: هذا التقسيم في التذكرة للقرطبي - باب الحشر ومعناه - (1 /307).


الشيخ عبدالله بن حمود الفريح