من أهوال القيامة

دكُّ الأرض، ونسف الجبال


 


تأمَّل - أيها المبارك - في هذه الأشياء العِظَام التي لطالما ولا زلنا نتعجب من عظمتها، وقوتها، الأرض، والجبال، والبحار، والسماء، والشمس، والقمر، والنجوم، ما حالها يا ترى؟


 


تأمَّل في حالها؛ لتعرف هول المطلع، وتعرف كيف هو حالنا، وكيف القدوم على الله تعالى؟


أتركك لتتأمل - أيها المبارك دكُّ الأرض، ونسف الجبال:


أخبر الله تعالى أن هذه الأرض التي نحن عليها، وما عليها من جبال راسيات، تُحمل يوم القيامة فتُدكّ دكّة واحدة: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴾ [الواقعة:]، وقال تعالى: ﴿ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ﴾، وبعد هذا الدَّكّ تتحول الجبال الصلبة القاسية، إلى رمل ناعم، قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا ﴾ [المزمل:14]، أي: تصبح ككثبان الرمل المتراكبة، بعد أن كانت حجارة صمَّاء، والرمل المهيل هو: الذي إذا أخذت منه شيئا، تبعك ما بعده.


 


وفي موضع آخر: أخبرنا أنَّ الجبال تُفَتتْ، فقال تعالى: ﴿ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا ﴾ [الواقعة 4، 6]، وبُسَّتِ بَسًّا أي: فتتت تفتيتا، والهباء: الغبار، والمنبث: الذي تذروه الرياح.


 


وأخبر في موضع آخر: أنَّ الجبال تكون كالعهن، أي: الصوف، فقال تعالى: ﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ﴾ [المعارج:9]، وفي موضع آخر بالصوف المنفوش، فقال تعالى: ﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ﴾ [القارعة:5].


 


ثم إن الله تعالى يزيل الجبال عن مواضعها، ويسوِّي الأرض فيجعلها قاعًا صفصفًا - أي منبسطًا: لا ارتفاع فيه، ولا انخفاض -، فقال تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ﴾ [طه 105- 107]، وقال: ﴿ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ﴾ [المرسلات:10]، أي: أقلعت عن أماكنها، وقال: ﴿ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴾ [النبأ:20] - أي: أزيلت عن أماكنها -، حتى يُخيَّل للناظر أنه يرى شيئًا وليس هناك شيء بل هو سراب، وقال تعالى: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النمل:88]، وقال: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً ﴾ [الكهف:47]، أي ظاهرة، لا ارتفاع فيها، ولا انخفاض.


 


مستلة من: "فقه الانتقال من دار الفرار إلى دار القرار"