لقصة مذكورة و منقولة من كتاب "ذم الهوى" للإمام ابن الجوزي -رحمه الله- : (في باب التحذير من فتنة النساء)


بِسْم الله الرحمان الرحيم :


(حديث مقطوع) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الطُّومَارِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ :

ذَكَرَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَنَّ " عَابِدًا كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَكَانَ مِنْ أَعْبَدِ أَهْلِ زَمَانِهِ ، وَكَانَ فِي زَمَانِهِ ثَلاثَةُ إِخْوَةٌ لَهُمْ أُخْتٌ ، وَكَانَتْ بِكْرًا ،


فَخَرَجَ الْبَعْثُ عَلَيْهِمْ ، فَلَمْ يَدْرُوا عِنْدَ مَنْ يُخَلِّفُونَ أُخْتَهُمْ ، وَلا مَنْ يَأْمَنُونَ عَلَيْهَا ، وَلا عِنْدَ مَنْ يَضَعُونَهَا ، فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يُخَلِّفُوهَا عِنْدَ عَابِدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَأَتَوْهُ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَخَلِّفُوهَا عِنْدَهُ ، فَتَكُونَ فِي كَنَفِهِ ، وَجِوَارِهِ حَتَّى يَرْجِعُوا ، فَأَبَى ذَلِكَ ، وَتَعَوَّذَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُمْ ، وَمِنْ أُخْتِهِمْ ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَطَاعَهُمْ ، فَقَالَ : أَنْزِلُوهَا فِي بَيْتٍ حِذَاءَ صَوْمَعَتِي ،


فَأَنْزَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ ، ثُمَّ انْطَلَقُوا ، وَتَرَكُوهَا ، فَمَكَثَتْ فِي جِوَارِ ذَلِكَ الْعَابِدِ زَمَانًا يَنْزِلُ إِلَيْهَا بِالطَّعَامِ مِنْ صَوْمَعَتِهِ ، فَيَضَعَهُ عِنْدَ بَابِ الصَّوْمَعَةِ ، ثُمَّ يُغْلِقُ بَابَهُ ، وَيَصْعَدُ فِي صَوْمَعَتِهِ ، ثُمَّ يَأْمُرُهَا فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا فَتَأْخُذْ مَا وَضَعَ لَهَا مِنَ الطَّعَامِ ، قَالَ : فَتَلَطَّفَ لَهُ الشَّيْطَانُ ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَغِّبُهُ فِي الْخَيْرِ ، وَيُعَظِّمُ عِنْدَهُ خُرُوجَ الْجَارِيَةِ مِنْ بَيْتِهَا نَهَارًا ، وَيُخَوِّفُهُ أَنْ يَرَاهَا أَحَدٌ فَيَعْلَقُهَا ، فَلَوْ مَشَيْتَ بِطَعَامِهَا حَتَّى تَضَعَهُ عَلَى بَابِ بَيْتِهَا كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكَ ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى مَشَى بِطَعَامِهَا حَتَّى وَضَعَهُ عَلَى بَابِ بَيْتِهَا وَلا يُكَلِّمُهَا ،


قَالَ : فَلَبِثَ بِذَلِكَ زَمَانًا ، ثُمَّ جَاءَهُ إِبْلِيسُ فَرَغَّبَهُ فِي الْخَيْرِ وَالأَجْرِ وَحَضَّهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ لَهُ لَوْ كُنْتَ تَمْشِي إِلَيْهَا بِطَعَامِهَا حَتَّى تَضَعَهُ فِي بَيْتِهَا كَانَ أَعْظَمُ لأَجْرِكَ ،

قَالَ : فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى مَشَى إِلَيْهَا بِطَعَامِهَا فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهَا ،


قَالَ : فَلَبِثَ بِذَلِكَ زَمَانًا ، ثُمَّ جَاءَهُ إِبْلِيسُ فَرَغَّبَهُ فِي الْخَيْرِ ، وَحَضَّهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ لَهُ ، لَوْ كُنْتَ تُكَلِّمُهَا وَتُحَدِّثُهَا فَتَأْنَسَ بِحَدِيثِكَ ، فَإِنَّهَا قَدِ اسْتَوْحَشَتْ وَحْشَةً شَدِيدَةً ،

قَالَ : فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى حَدَّثَهَا زَمَانًا يَطَّلِعُ إِلَيْهَا مِنْ فَوْقِ صَوْمَعَتِهِ ،


قَالَ : ثُمَّ أَتَاهُ إِبْلِيسُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَوْ كُنْتَ تَنْزِلُ إِلَيْهَا فَتَقْعُدُ عَلَى بَابِ صَوْمَعَتِكَ ، وَتَقْعُدُ هِيَ عَلَى بَابِ بَيْتِهَا ، فَتُحَدِّثُكَ كَانَ آنَسَ لَهَا ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَنْزَلَهُ فَأَجْلَسَهُ عَلَى بَابِ صَوْمَعَتِهِ ، يُحَدِّثُهَا وَتَخْرُجُ الْجَارِيَةُ مِنْ بَيْتِهَا حَتَّى تَقْعُدَ عَلَى بَابِ بَيْتِهَا ، قَالَ : فَلَبِثَا زَمَانًا يَتَحَدَّثَانِ : ثُمَّ جَاءَهُ إِبْلِيسُ فَرَغَّبَهُ فِي الْخَيْرِ وَالثَّوَابِ ، فِيمَا يَصْنَعُ بِهَا ، فَقَالَ لَوْ خَرَجْتَ مِنْ بَابِ صَوْمَعَتِكَ ، فَجَلَسْتَ قَرِيبًا مِنْ بَابِ بَيْتِهَا فَحَدَّثْتَهَا ، كَانَ آنَسَ لَهَا ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى فَعَلَ ، فَلَبِثَا بِذَلِكَ زَمَانًا ثُمَّ جَاءَهُ إِبْلِيسُ ، فَقَالَ لَوْ دَنَوْتَ مِنْ بَابِ بَيْتِهَا ، ثُمَّ قَالَ : لَوْ دَخَلْتَ الْبَيْتَ فَحَدَّثَتْهَا ، وَلَمْ تَتْرُكْهَا تُبْرِزُ وَجْهَهَا لأَحَدٍ كَانَ أَحْسَنَ ،


فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُهَا نَهَارَهُ كُلَّهُ ، فَإِذَا أَمْسَى صَعَدَ فِي صَوْمَعَتِهِ ، قَالَ : ثُمَّ أَتَاهُ إِبْلِيسُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَزَلْ يُزَيِّنُهَا لَهُ حَتَّى ضَرَبَ الْعَابِدُ عَلَى فَخْذِهَا ، وَقَبَّلَهَا فَلَمْ يَزَلْ بِهِ إِبْلِيسُ يُحَسِّنُهَا فِي عَيْنِهِ ، وَيُسَوِّلُ لَهُ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا ، فَأَحْبَلَهَا فَوَلَدَتْ غُلامًا ، فَجَاءَهُ إِبْلِيسُ ، فَقَالَ لَهُ : أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ إِخْوَةُ هَذِهِ الْجَارِيَةِ ، وَقَدْ وَلَدَتْ مِنْكَ كَيْفَ تَصْنَعُ ، لا آمَنُ أَنْ تَفْتَضِحَ ، أَوْ يَفْضَحُوكَ ، فَاعْمَدْ إِلَى ابْنِهَا فَاذْبَحْهُ وَادْفِنْهُ ، فَإِنَّهَا سَتَكْتُمُ ذَلِكَ عَلَيْكَ مَخَافَةَ إِخْوَتِهَا ، أَنْ يَطَّلِعُوا عَلَى مَا صَنَعْتَ بِهَا ، فَفَعَلَ ، فَقَالَ لَهُ : أَتَرَاهَا تَكْتُمُ إِخْوَتَهَا مَا صَنَعْتَ بِهَا ، خُذْهَا فَاذْبَحْهَا وَادْفِنْهَا مَعَ ابْنِهَا ، فَذَبَحَهَا ، وَأَلْقَاهَا فِي الْحُفَيْرَةِ مَعَ ابْنِهَا ، وَأَطْبَقَ عَلَيْهَا صَخْرَةً عَظِيمَةً ، وَسَوَّى عَلَيْهِمَا ، وَصَعَدَ إِلَى صَوْمَعَتِهِ يَتَعَبَّدُ ،


فَمَكَثَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، حَتَّى قَفَلَ إِخْوَتُهَا مِنَ الْغَزْوِ فَجَاءُوهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ أُخْتِهِمْ ، فَنَعَاهَا لَهُمْ ، وَتَرَحَّمَ عَلَيْهَا ، وَبَكَاهَا ، وَقَالَ : كَانَتْ خَيْرَ امْرَأَةٍ ، وَهَذَا قَبْرُهَا ، فَانْظُرُوا إِلَيْهِ ، فَأَتَى إِخْوَتُهَا الْقَبْرَ ، فَبَكَوْا أُخْتَهُمْ وَتَرَحَّمُوا عَلَيْهَا ، وَأَقَامُوا عَلَى قَبْرِهَا أَيَّامًا ، ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى أَهَالِيهِمْ ،


قَالَ : فَلَمَّا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ ، وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ أَتَاهُمُ الشَّيْطَانُ فِي النَّوْمِ فَبَدَأَ بِأَكْبَرِهِمْ ، فَسَأَلَهُ عَنْ أُخْتِهِمْ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ الْعَابِدِ : وَبِمَوْتِهَا ، فَكَذَّبَهُ الشَّيْطَانُ ، وَقَالَ : لَمْ يَصْدُقَكُمْ أَمْرَ أُخْتِكُمْ إِنَّهُ أَحْبَلَ أُخْتَكُمْ ، وَوَلَدَتْ مِنْهُ غُلامًا فَذَبَحَهُ ، وَذَبَحَهَا مَعَهُ فَرَقًا مِنْكُمْ ، فَأَلْقَاهَا فِي حُفَيْرَةٍ خَلْفَ بَابِ الْبَيْتِ ، وَأَتَى الأَوْسَطَ فِي مَنَامِهِ ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ أَتَى الأَصْغَرَ ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ،


فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ اسْتَيْقَظُوا مُتَعَجِّبِينَ لِمَا رَأَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، يَقُولُ : رَأَيْتُ عَجَبًا ، فَأَخْبَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِمَا رَأَى ، فَقَالَ كَبِيرُهُمْ : هَذَا حُلْمٌ ، لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ ، فَامْضُوا بِنَا ، وَدَعُوا هَذَا ، قَالَ أَصْغَرُهُمْ لا أَمْضِي حَتَّى آتِيَ ذَلِكَ الْمَكَانَ فَأَنْظُرَ إِلَيْهِ ، فَانْطَلَقُوا وَبَحَثُوا الْمَوْضِعَ ، فَوَجَدُوا أُخْتَهُمْ وَابْنَهَا مَذْبُوحَيْنِ ، فَسَأَلُوا عَنْهَا الْعَابِدَ ، فَصَدَّقَ قَوْلَ إِبْلِيسَ فِيمَا صَنَعَ بِهَا ، فَاسْتَعْدَوْا عَلَيْهِ مَلِكَهُمْ ، فَأُنْزِلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ ، وَقَدَّمُوهُ لِيُصْلَبَ ، فَلَمَّا أَوْقَفُوهُ عَلَى الْخَشَبَةِ ، أَتَاهُ الشَّيْطَانُ ، فَقَالَ : قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي صَاحِبُكَ الَّذِي قَدْ فَتَنْتُكَ فِي الْمَرْأَةِ حَتَّى أَحْبَلْتَهَا وَذَبَحْتَهَا وَابْنَهَا ، فَإِنْ أَنْتَ أطَعْتَنِي الْيَوْمَ وَكَفَرْتَ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ خَلَّصْتُكَ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ ، فَكَفَرَ الْعَابِدُ بِاللَّهِ ، فَلَمَّا كَفَرَ خَلَّى الشَّيْطَانُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ فَصَلَبُوهُ ،


قَالَ : فَعِنْدَ ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ{ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ, فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ } سورة الحشر آية 16-17 " .


وَقَدْ ذُكِرَتْ قِصَّةُ هَذَا الرَّجُلِ عَلَى خِلافِ هَذِهِ الْحَالِ فِي التَّفْسِيرِ ، إِلا أَنَّ الْمَقْصُودَ وُجُودُ فِتْنَةٍ بِالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَالْكُفْرِ ، وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ ، فَتَلَمَّحْ وَفَّقَكَ اللَّهُ سَبَبَ وُقُوعِهِ فِي هَذَا الشَّرِّ ، وَهُوَ أَنَّهُ فَسَحَ لِنَفْسِهِ فِيمَا قَدْ نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْكَلامِ لِلأَجْنَبِيَّةِ ، وَالْخُلْوَةِ بِهَا ، وَكَانَ كَمَأْمُورٍ بِالْحِمْيَةِ أَقْبَلَ عَلَى التَّخْلِيطِ ثِقَةً بِعَافِيَتِهِ ، فَأَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى تَلَفِ نَفْسِهِ ، وَلَوْ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ قَوْلَ طَبِيبِهِ ، لَسَلِمَ مِنْ شَرِّ مَا وَقَعَ فِيهِ ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُذْلانِ .


المصدر: كتاب "ذم الهوى" للإمام ابن الجوزي -رحمه الله- (باب التحذير من فتنة النساء)