خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام ليتفقد الجند فلقيه أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه  وأخبروه أن وباء الطاعون قد وقع بأرض الشام، فاستشار عمر رضي الله عنه المهاجرين والأنصار وقرر أن يرجع بالناس ولا يدخلهم على هذا الوباء، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر رضي الله عنه: نفر من قدر الله إلى قدر الله. ثم جاء عبد الرحمن بن عوف فقال: سمعت رسول الله صل الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه( ).

ولا ريب أن المقادير سابقة بوقوع القدرة على التقدير، وقد جرى القلم بما هو كائن إلى الأبد، فلا محيص للإنسان عما قدره الله عز وجل كونا من أمور الابتلاء، لكنه سبحانه أمرنا شرعا بالحذر من أسباب البلاء، وباستفراغ الوسع في طلب الدواء عند وقوع الداء حتى يتم الشفاء من الشافي سبحانه وتعالى، ومعنى قوله صل الله عليه وسلم: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه، يعني إذا كان الوباء بأرض فلا يقدم عليه أحد أخذا بالحزم والحذر والتحرز من مواضع الضرر، فإن صيانة النفس عن المكروه واجبة، وكذلك الخوف من سوء الاعتقاد بأن يقول القائل: لولا دخولي في هذا المكان لما نزل بي مكروه.

وهكذا الإسلام جاء بحسن الاعتقاد في الله والإيمان بقضائه وقدره، وجاء أيضا بمقتضى العقل والحكمة والأخذ بالأسباب. وهذا هو وجه الجمع بين قول النبيصل الله عليه وسلم: لا عدوى ولا طيرة، وقوله صل الله عليه وسلم: فر من المجذوم فرارك من الأسد. روى البخاري عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: (لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد) ( ).

وقد أراد النبي صل الله عليه وسلم بقوله: لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، نفي ما كان يعتقده أهل الجاهلية من الاعتقادات الباطلة التي تؤثر في القلب، وتضعف حسن الظن بالله، بل قد تزيله، وقد يكون معها نسبة الله عز وجل إلى النقص، إما بنفي القدرة، وإما بالشرك، فقد يجعل شريكا آخر معه في العبادة أو في التأثير، ومن هنا قال رسول الله صل الله عليه وسلم: لا عدوى، يعني لا عدوى مؤثرة بطبعها؛ لأن أهل الجاهلية، كانوا يعتقدون أن العدوى تؤثر بنفسها تأثيرا لا مرد له، وتأثيرا لا صارف له.

وقوله صل الله عليه وسلم: لا عدوى، لا ينفي أصل وجود العدوى، وهي انتقال المرض من المريض إلى الصحيح بسبب المخالطة بينهما، فإن الانتقال بسبب المخالطة حاصل ملاحظ مشهود، لكنه صل الله عليه وسلم بقوله: لا عدوى، لا ينفي أصل وجودها، فالمرض لا ينتقل من المريض إلى الصحيح عند مخالطة الصحيح للمريض بنفسه، وإنما انتقاله وإصابة الصحيح بالمرض عند المخالطة، إنما هو بقضاء الله وقدره. وقد يكون الانتقال وقد لا يكون، فليس كل مرض معد يجب أن ينتقل من المريض إلى الصحيح، بل إذا أذن الله عز وجل بذلك انتقل، وإذا لم يأذن لم ينتقل، فهو واقع بقضاء الله وقدره، فالعدوى أو انتقال المرض من المريض للصحيح سبب من الأسباب التي يحصل بها قضاء الله وقدره، لكنها ليست لازما حتميا كما كان يعتقده أهل الجاهلية.

 ولهذا ثبت عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال في الأخذ بالأسباب: (لا يورد ممرض على مصح، ولا يورد ممرض على مصح) ( ).  ومعنى لا يورد ممرض على مصح أن الإبل المريضة لا تورد على الإبل الصحيحة، لأن الخلطة سبب لانتقال المرض من الإبل المريضة إلى الصحيحة وهذا فيه إثبات لوجود العدوى، ولكنه إثبات لسبب، والسبب قد يحصل منه المكروه، كما أنه إذا باشر المرء أسباب الهلاك حصل له الهلاك بقدر الله، كما أنه إذا أكل حصل له الشبع، وإذا شرب حصل له الري، فذلك كله لأنها أسباب.

ومعنى قوله صل الله عليه وسلم: ولا طيرة، الطيرة نوع من التشاؤم كان يعتقده أهل الجاهلية، والمؤمن يجب عليه أن يتوكل على الله عز وجل حق التوكل فالطيرة باطلة، ولا أثر للأسباب إلا بقضاء وقدر. ومعنى  قوله صل الله عليه وسلم: ولا هامة، إبطال ما كانت عليه  عقيدة الجاهلية، وذلك لأن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن الذي يقتل يبقى طائر على قبره يصيح للأخذ بثأره، وبعضهم يعتقد أن الهامة طائر كالبومة تدخل فيها روح الميت فتنتقل بعد ذلك إلى حي آخر، فمنع النبي صل الله عليه وسلم ذلك، لمنافاته توحيد الله، وأنها اعتقادات جاهلية لا أصل لها.

ومعنى قوله صل الله عليه وسلم: ولا صفر. يعني لا تشاءموا بشهر صفر، وهو الشهر المعروف بعد شهر الله المحرم، فقد كانوا في الجاهلية يتشاءمون بصفر، ويعتقدون أنه شهر فيه حلول المكاره والمصائب، فلا يتزوج من أراد الزواج في شهر صفر لاعتقاده أنه لا يوفق في زواجه، ومن أراد تجارة فإنه لا يمضي صفقته في شهر صفر لاعتقاده أنه لا يربح، ومن أراد التحرك والمضي في شئونه البعيدة عن بلده، فإنه لا يذهب في ذلك الشهر لاعتقاده أنه شهر تحصل فيه المكاره والموبقات، ولهذا أبطل صل الله عليه وسلم هذا الاعتقاد الزائف فشهر صفر شهر من أشهر الله، وزمان من أزمنته، لا يحصل الأمر فيه إلا بقضاء الله وقدره، ولم يخصص الله هذا الشهر بوقوع المكاره ولا بوقوع المصائب، بل حصلت في هذا الشهر أمور تاريخية عظمى وانتصارات عظيمة للمسلمين.

كتاب سهل  - الرضواني