مذاهب الناس في الأخذ بالأسباب وإبطالها على ثلاثة مذاهب، طرفان ووسط، فالمذهب الأول تأسس على نفي النصوص الصحيحة الصريحة الكثيرة الدالة على العمل بالأسباب شرعا وقدرا، وعلى ضرورة الأخذ بها للوصول إلى الجنة والبعد عن النار، وقالوا إن الإنسان مجبور على فعله، ونظر هؤلاء إلى نصوص القرآن والسنة بعين عوراء، فلم يأخذوا بالنصوص الدالة على ضرورة العمل بالأسباب المظهرة لآثار حكمة الله عز وجل وما دل عليه اسمه الحكيم وعدله في إيقاع العذاب على الكافرين كما ورد في قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ  آل عمران:١٠٦.

وقوله تعالى:  وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ، ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ . الأنفال:٥٠/٥١.

وقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوْحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُوْنَ فِيْ غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوْا أَيْدِيْهِمْ أَخْرِجُوْا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُوْنِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُوْلُوْنَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُوْنَ  الأنعام: ٩٣.

والنصوص المثبتة لوجود الأسباب وعلاقتها بنتائجها في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصى، تجاهلها هؤلاء، وتجاهلوا إثبات مقتضى حكمة الله في خلق الأشياء وترتيب الأسباب على معاني الابتلاء والحكم العليا التي خلق الله عز وجل الإنسان من أجلها.

أما المذهب الثاني فهو رد النصوص الصحيحة الصريحة الكثيرة الدالة على أن الله عز وجل خالق السبب والنتيجة أو خالق العلة ومعلولها، إن شاء سلب النتيجة عن سببها وخلقها بلا سبب، وإن شاء خلق العلة وسلب عنها معلولها، فتخلفت النتيجة عن سببها، وإن شاء أن يخلق النتيجة بأسبابها، فنظر هؤلاء إلى نصوص القرآن والسنة بعين عوراء فلم يأخذوا بالنصوص الدالة على ثبوت المشيئة والقدرة التي دل عليها اسمه القدير، كما ورد في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ  فاطر:٣ . وقوله تعالى: أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ، أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ، لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ،  إِنَّا لَمُغْرَمُونَ . الواقعة:٦٣/٦6 . وقوله تعالى:  فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ،  ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا ، ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا ، فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ، وَعِنَبًا وَقَضْبًا ، وَزَيْتُونًا وَنَخْلا ،  وَحَدَائِقَ غُلْبًا ، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ، مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ . عبس:٢٤/٣٢ .

وأما المذهب الثالث فهو المذهب الذي جاءت به الرسل ودل عليه الحس والعقل والفطرة وهو العمل بشرع الله والأخذ بالأسباب للوصول إلى النجاة في الدنيا والآخرة، والإيمان بتقدير الله وخلقه للأسباب في ترابطها فنتوكل عليه في قضائها ونستعين به في تحقيقها بالدعاءِ والصدقة والذكر والاستغفار والصلاة والزكام والصيام وصلة الأرحام، فهذا مذهب من نظر إلى القرآن والسنة بعينين سليمتين على الفطرة التي خلقه الله عليها.

كتاب سهل - الدكتور الرضواني