روى البخاري عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أنه قال : (صلى لنا رسول الله صل الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: أصبح من عبادي مؤْمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤْمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب)

أخبر الله عز وجل أن من عباده مؤمنا به، وهو من أضاف المطر إلى فضل الله ورحمته، وأنه المنفرد بالقدرة على ذلك دون سبب ولا تأْثير لكوكب ولا لغيره، فهذا المؤمن بالله تعالى كافر بالكوكب، بمعنى أنه يكذب قدرة الكوكب على شيء من ذلك، ويجحد أن يكون له فيه تأْثير، وأن من عباده من أصبح كافرا به، وهو من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فأضاف المطر إلى النوء، وجعل له في ذلك تأْثيرا وللكوكب فعلا مستقلا. قال الله تعالى: ﭽ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭼ  يوسف:١٠٦.

ومن هنا كانت عقيدة أهل السنة أن لا بد من الإقرار بأن الله عز وجل هو الذي قدر ودبر، وأن الأسباب التي يقلبها ربنا، مثلها كمثل الآلة بيد الصانع، ألا ترى أنه لا يقال: السيف ضرب العنق، ولا السوط ضرب العبد، وإنما يقال: السياف ضرب العنق، وفلان ضرب فلانا بالسوط، وإن كانت هذه الأشياء أسبابا مباشرة للأفعال إلا أنها آلة بيد صانعها، وكذلك العباد يباشرون الأسباب في ظاهر النظر عند البشر، والله من ورائهم محيط متوحد في الربوبية، هو القادر بلطائف القدرة وخفايا المشيئة.

وإنما ذكر الله تعالى الأسباب لأن الشرائع تتعلق بها والأحكام عائدة عليها بالثواب والعقاب، فالعبد لا بد أن يعتقد أنه لا خالق إلا الله ولا مدبر للكون سواه، وأن الرب الذي يرزق ويشفي ويحي ويميت بأسباب قادر على أن يرزق ويشفي ويحي ويميت من غير أسباب، فالأخذ بالأسباب ركن من أركان التوكل على الله، فلا يضر التصرف في أسباب العيش والتكسب في أسباب الرزق، والأخذ بأسباب الشفاء، والنجاة من الهلاك لمن صح توكله، ولا يقدح في مقامه ولا ينقص ذلك من حاله. كما روى الترمذي وحسنه الألباني عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صل الله عليه وسلم: (أُرسل ناقتي وأتوكل؟ قال: اعقلها وتوكل)

الموحد يعلم أن الله تعالى قد جعل في الأسباب منافع خلقه، ومفاتح رزقه وخزائن حكمته، وعلم أنه مقتد في ذلك بنبيه متبع لسنته. وقد ذكر ابن حزم أن النبي صل الله عليه وسلم صح عنه تصحيح الطب والأمر بالعلاج، وأنه صل الله عليه وسلم قال: تداووا، فإن الله تعالى لم يخلق داء إلا خلق له دواء إلا السام، والسام الموت. فاعترض قوم فقالوا: قد سبق علم الله عز وجل بنهاية أجل المرء، ومدة صحته، ومدة سقمه، فأي معنى للعلاج؟ قال ابن حزم فقلنا لهم: نسألكم هذا السؤال نفسه في جميع ما يتصرف فيه الناس من الأكل والشرب واللباس لطرد البرد والحر والسعي في المعاش بالحرث والغرس والقيام على الماشية والتحرف بالتجارة والصناعة، ونقول لهم: قد سبق علم الله تعالى بنهاية أجل المرء، ومدة صحته، ومدة سقمه، فأي معنى لكل ما ذكرنا، فلا جواب لهم إلا أن يقولوا: إن علم الله تعالى قد سبق أيضا بما يكون من كل ذلك، وبأنها أسباب إلى بلوغ نهاية العمر المقدر، فنقول لهم: وهكذا الطب، قد سبق في علم الله تعالى أن هذا العليل يتداوى وأن تداويه سبب إلى بلوغ نهاية أجله، فالعلل مقدرة، وزمانها مقدرة، والموت مقدر، والعلاج مقدر، ولا مرد لحكم الله، ونفاذ علمه في كل شيء من ذلك