قبض الأرض وطي السماء

يوم القيامة


 


تأمَّل - أيها المبارك - في هذه الأشياء العِظَام التي لطالما ولا زلنا نتعجب من عظمتها، وقوتها، الأرض، والجبال، والبحار، والسماء، والشمس، والقمر، والنجوم، ما حالها يا ترى؟


 


تأمَّل في حالها؛ لتعرف هول المطلع، وتعرف كيف هو حالنا، وكيف القدوم على الله تعالى؟


 


قبض الأرض، وطي السماء..


ثم يطوي الله تعالى السماء ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: 104].


 


قال ابن كثير رحمه الله:


" والصحيح عن ابن عباس أنَّ السجل هي الصحيفة، قاله علي بن أبي طلحة، والعوفي عنه، ونص على ذلك: مجاهد، وقتادة، وغير واحد، واختاره ابن جرير؛ لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا فيكون معنى الكلام: يوم تطوى السماء كطي السجل للكتاب، أي: على الكتاب، بمعنى: المكتوب"[1].


 


والله - عز وجل - يطوي السماء بيمينه، ويقبض الأرض بيده قال تبارك وتعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر:67].


 


وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " يَقْبِضُ اللّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - الأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟"[2].


 


وفي صحيح مسلم من حديث عبد اللّه بن عمر - رضي الله عنهما – قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " يَطْوِي اللّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ. - وفي رواية: يأخذهن بيده الأخرى - ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟"[3].


 


وقيل: إنَّ هذا القبض للأرض، والطَّي للسموات يكون بعد أن يفني الله تعالى خلقه؛ لأن المقصود إظهار انفراده سبحانه بالملك، والبقاء، واختاره القرطبي رحمه الله[4].


 


مستلة من: "فقه الانتقال من دار الفرار إلى دار القرار"


[1] انظر تفسير ابن كثير لهذه الآية.


[2] رواه البخاري برقم (4812)، رواه مسلم برقم (2787).


[3] رواه مسلم برقم (2788).


[4] انظر: التذكرة للقرطبي (ص172).