موسوعة فقه شيخ الإسلام ابن تيمية

إن الله أنزل هذا الدين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعهده بالعلماء المجددين، على فترات، يقومون بتجديده مما علق به من بدع وضلالات، وتنبيه الأفكار إلى مبادئه ومثلهن وشحذ النفوس للتعلق به والدعوة إليه، وتطبيق مبادئه تطبيقاً متطوراً يناسب المرحلة الحضارية التي وصل إليها القوم. وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها". ومما لا شك فيه أن شيخ الإسلام ابن تيمية، تقي الدين أبا العباس أحمد بن عبد الحليم، بن عبد السلام، بن عبد الله، بن الخضر، بن محمد، بن الخضر بن علي بن عبد الله المعروف بابن تيمية، الحراني ثم الدمشقي، هو أحد هؤلاء المجددين ولد أحمد بن تيمية في بلدة حران الواقعة ما بين نهري دجلة والفرات، عام 661هـ، وحمله أبوه ومعه باقي أفراد الأسرة من حران فاراً من وجه التتار الذين يحصدون كل شيء بمنتهى الهمجية، إلى أن استقر به المقام في دمشق، فأقاموا فيها، وتوفي أحمد بن تيمية عام 728هـ. لقد كان عصر ابن تيمية يمور بالفساد، فالعقائد الفاسدة، والمنطق اليوناني الأرسطاطاليسي قد تربع على عرش الفكر عند الكثير من المثقفين من المسلمين؛ والجمود الفقهي، والتقوقع على المذهب، حقاً كان أو باطلاً، أصبح سمة المتفقهه؛ إضافة إلى الفساد السياسي وما رافقه من تمزق المسلمين، وضعف شوكتهمِ، وطمع العدو بهم.
كل هذا فرض على ابن تيمية أن يحمل لواء التجديد، فكان مجدداً عاماً، تناول بالإصلاح والتجديد هذه الأوضاع كلها. ولكي يتأتى لابن تيمية ذلك، كان لا بد له من التسلح بالعلم الصحيح، وبالمعرفة التامة ببذور الفساد وكوامنه. إذ بغير ذلك لا يمكن أن يتم أي إصلاح، فدرس ابن تيمية التعاليم الإسلامية كلها بعمق كبير، ودرس بعمق أيضاً على ما عليه الناس من عقائد وشرائع، وعرف بدقة متناهية ما يجب أن زول وما يجب أن يبقى، ودرس الديانتين اليهودية والنصرانية ودرس الفرق الإسلامية المنشقة عن الإسلام، وناقش أصحابها من معتزلة وجهمية وشيعة بجميع فرقها، سواء اتخذت وجهاً عقدياً، أو اتخذت وجهاً سياسياً لتستر به الوجه العقدي، كالفاطمية، أو اتخذت وجهاً عسكرياً لتستر به وجهها العقدي كالقرامطة، وبين لهم بذور الفساد فيها ومكامنه، وصنف في ذلك "منهج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية".
كما درس ابن تيمية الحركات الدينية كالصوفية وبيّن العقائد الفاسدة التي دخلتها، ودرس الفلسفة وعرف ما فيها من الفساد، وبيّن زيف مرتكزاتها المبنية على قواعد المنطق اليوناني، وصنف في ذلك كتابين هما: "نقض المنطق" و"الرد على المنطقيين". كما قام شيخ الإسلام ابن تيمية بدراسة السلوك الديني لدى عوام الناس، فوجد أن هذا السلوك قد دخله الكثير من الشوائب التي تبعد هذا السلوك كثيراً أو قليلاً عن منابع عقيدة التوحيد الخالص التي أنزلها الله تعالى على رسوله، فنبه على هذه الانحرافات السلوكية، وبين إخلالها بعقيدة التوحيد.
ودرس ابن تيمية، أيضاً، فقه السلف، وفقه المذاهب الفقهية، وقواعد استنباط الأحكام من النصوص، حتى صار من أئمة الاجتهاد، وبلغ رتبة الاجتهاد والمطلق، فنعى على متفقهة عصره التقوقع على مذهب واحد، ونادى بجواز طلب الحكم من فقه أي إمام من أئمة الهدى، بل نادى بفتح باب الاجتهاد، وجعل يفتي بما يعتقد أنه شرع الله تعالى ودينه. دون التقيد بمذهب معين، متمثلاً في ذلك كله: "مقاصد الشارع، ومصلحة الأمة، والتيسير على الناس من غير إخلال بإصابة الحق". من هنا كان إقبال الناس على فقه ابن تيمية.
ونظراً إلى صعوبة الرجوع إلى هذا الفقه، وبالنظر إلى ضرورة الاستفادة منه، وبما أن فقه هذا الإمام هو من الكنوز التي تحتاجها الأمة الإسلامية بشدة اليوم، باعتبار أن ابن تيمية يمثل آخر حلقات تطور الفقه الإسلامي، لم تأت بعدها حلقة أخرى تمثل تطوراً مميزاً للفقه الإسلامي، جاء هذا العمل الموسوعي لفقه ابن تيمية، حيث تم لمّ شعثه وتبسيطه لتحسن الاستفادة منه، على الوجه التالي: أ-جميع وترتيب ما جاء في كتب ابن تيمية التالية بحسب العناوين الرئيسية التي تحملها: 1-مجموع فتاوى ابن تيمية الواقعة في سبعة وثلاثين مجلداً والمطبوعة في المغرب، 2-مختصر الفتاوى المصرية المطبوعة في "دار نشر الكتب الإسلامية" في باكستان، 3-الاختيارات الفقهية التي اختارها علاء الدين أبو الحسن البعلي، 4-القواعد النورانية، 5-شرح العمدة، 6-منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، 7-درء تعارض العقل والنقل، 8-الصارم المسلول على شاتم الرسول، ب-من تعقيد ما يمكن تعقيده، ج-صياغة ما تمّ جمعه صياغة فقهية بعبارة سهلة مفهومة، د-الإفراد بالبحث لموضوعات لا توجد في كتب الفقهاء، وجمع معلومات لا توجد في كتب الفقهاء إلا مبعثرة في أبواب شتى. وتجدر الإشارة إلى أنه تمّ استهلال هذه الموسوعة بدراسة لمسيرة التجديد التي حققها ابن تيمية.'

http://www.mediafire.com/download/5q5rz6l5hknxk7q/hkhk66.rar