الأصل في صفات الله عز وجل أنها من باب الخبر الذي يتطلب التصديق؛ فما أخبر الله عز وجل به عن نفسه في وصفه، وما أخبر به رسوله صل الله عليه وسلم وجب علينا تصديقه تصديقا يقينيا، نثبته لله عز وجل كما أثبته الله ورسوله صل الله عليه وسلم.


وقد تبين مما ورد في النقل الصحيح أن ما أثبته الله لنفسه من الصفات، إما وصف ذاتي، وإما وصف فعلي، فالوصف الذاتي وصف ملازم لذات الله أزلا وأبدا، لا يتعلق بمشيئة الله، وهو وصف كمال لازم لوجود الرب وتحقيق معاني التوحيد في الربوبية، ولا يمكن أن نتصور وجود الرب إلا موصوفا به، مثل العلم والحياة والقيومية، والقدرة والقوة والصمدية، والسمع والبصر والأحدية، والملك والعلو والفوقية، والحكمة والخبرة، والكبرياء والعظمة، والغنى والعزة، وغير ذلك من الصفات الذاتية التي تدل على أن الله عز وجل متوحد في وصف الربوبية، وأنه سبحانه يبقى ببقائه موصوفا بها، ويبقى باستغنائه فيها عمن سواه في الأولية والآخرية.


وهذه الصفات الذاتية دلت عليها أسماؤه الحسنى التوقيفية، أو ورود النص في الكتاب والسنة مستقلا بثبوتها، فاسم الله العليم يتضمن الدلالة على وصف العلم، واسمه الحي يتضمن الدلالة على وصف الحياة، وقس على ذلك دلالة أسمائه كالقيوم، القدير، القوي، الصمد، السميع، البصير، الأحد، الملك، الأعلى، العلي، الحكيم، الخبير، المتكبر، العظيم، الغني، العزيز، الرب، الأول، الآخر.

وقد يرد الخبر في الكتاب والسنة بالنص مستقلا في الدلالة على بعض الصفات الذاتية، وهي صفات كمال باقية ببقاء الله أخبرنا الله بها، كالوجه والعينين، والساق والقدم والأصابع واليدين، وغيرها مما ورد به النقل الصحيح، نؤمن بها ونصدق خبر الله فيها على الكيفية الحقيقية التي أرادها ربنا سبحانه وتعالى، والتي يعلمها هو ولا نعلمها، فنحن ما رأينا الله وما رأينا له مثيلا، لا في ذاته ولا في صفاته، ونسأله سبحانه أن نكون يوم القيامة ممن يمُنّ عليهم بجنته ورؤيته يوم أن نلقاه.


وأما الوصف الفعلي الذي أثبته الله لنفسه في كتابه وفي سنة نبيه صل الله عليه وسلم فهو وصف ملازم لذات الله أزلا وأبدا، يتعلق بمشيئة الله وقدرته، وإمكانية فعله لما يشاء وفق إرادته وحكمته، إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، كالخلق والإبراء والتصوير والرحمة، والعفو والحلم والإحسان والنصرة، والقبض والبسط والإكرام والتوبة، والعطاء والفتح والمنِّ والرزق، والحفظ واللطف والإجابة والرفق، وغير ذلك من صفات الأفعال التي تضمنتها أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة.


وكذلك كل فعل ورد في الكتاب والسنة فإنه يدل على وصف فعل لله عز وجل، لأن حقيقة الفعل هو وصف فعل تعلق بمشيئة الله وقدرته، وتعلق أيضا بالزمان والمكان، ولا بد لطالب العلم من التعرف على الفرق بين الاسم وصفة الذات، وصفة الفعل، والفعل، فالقدير اسم من أسماء الله الحسنى ثبت بنصه في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُالروم:٥٤. وقد دل اسم الله القدير على وصف القدرة، وهي صفة كمال ملازمة لذات الله لا تتعلق بمشيئته، فلا يصح قول القائل: هل يشاء الرب أن يكون عاجزا؟ لأن القدرة وصف ذاتي لا يمكن أن يوجد الإله بدونها، فلا تعلق للقدرة بمشيئته أصلا لأنها صفة كمال ملازمة لذات الله.


أما التقدير فهو وصف فعل لله يتعلق بمشيئته، إن شاء قدر، وإن شاء لم يقدر، وأما الفعل "قدّر" فهو متعلق بالمشيئة والزمن، فالله عز وجل قدر مقادير الخلائق في زمن مرتبط ببداية ونهاية، تم فيه إيجاد الله للمفعول الذي قدره، كما صح من حديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صل الله عليه وسلم قال: (إن الله قدّر مقادِير الْخلائِق قبْل أنْ يخْلق السّماوات والأرْض بخمْسِين ألْف سنة، وكان عرْشه على الْماء)


فالفعل قدر دل على وصف التقدير وارتباطه بالزمن معا، قال تعالى: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا الفرقان:٢. وكذلك اسم الله العليم ورد في قوله تعالى: فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ الأنعام: ٩٦. وقد تضمن الدلالة على صفة العلم؛ وهي صفة كمال ملازمة لذات الله لا تتعلق بمشيئته كما قال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ۚ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ فاطر:١١. أما التعليم فهو وصف فعل لله يتعلق بمشيئته، إن شاء علم، وإن شاء لم يفعل، وأما الفعل "علّم" فتعلق بالمشيئة والزمن كما قال تعالى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ۚ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا النساء:١١٣.  وكذلك الفرق بين اسم الله العزيز ودلالته على صفة العزة، فقد ورد الاسم في قوله تعالى: فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ الأنعام:٩٦. ودل على صفة العزة كصفة ذاتية لله عز وجل كما قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ فاطر:١٠. أما الإعزاز فهو وصف فعل لله تعلق بمشيئته إن شاء أعز وإن شاء أذل، دل عليه الفعل أعز في قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آل عمران: ٢٦. ولا يصح تسمية الله المعز لأنه لم يثبت بنص توقيفي.


وكذلك أيضا الفرق بين صفة الكلام كصفة ذاتية لله، وصفة التكليم كصفة فعلية، والفعل كلم الذي تعلق بالمشيئة والزمن، ومع ذلك لا يجوز تسمية الله بالمتكلم أو المكلم اشتقاقا من الصفة أو الفعل لأن أسماء الله الحسنى توقيفية على النص، ولم يرد بهذين الاسمين دليل توقيفي.


ومن صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته وقدرته، إن شاء فعلها ، وإن شاء لم يفعلها، صفة الاستواء على العرش، والنُّزُول إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، وإجابة الدعاء، والمجيء لفصل القضاء، والرضا عن الأولياء، والغضب على الأعداء، والطي للسماء، وعطاء الله لمن يشاء، وغير ذلك من صفات الأفعال التي ثبتت في الكتاب والسنة.


كتاب سهل - الرضواني