حال عصاة الموحدين في يوم القيامة


والمقصود بهم: المسلمون الذين اقترفوا ذنوبًا أوقعتهم في أهوال، ومصائب جاء ذكرها في النصوص، لكل نوع من المعاصي حال معينة يأتي عليها صاحبها، ومنها ما يلي:


[1]: الذين لا يؤتون الزكاة.


دلَّت النصوص على أن مانع الزكاة له حال، وعذاب معيَّن يوم القيامة، وأن عذابه على وجهين:


الأول: إن منع مالًا، فإنه يُمَثَّل لصاحب المال مالَه ثعبانًا أقرع، له زبيبتان، فيطوق عنقه، ويأخذ بلِهْزمتي صاحبه - أي: بشدقيه - فيقول: أنا مالك، أنا كنزك.


 


قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [آل عمران:180].


 


وهذا الطوق عبارة عن: ثعبان في رقابهم، كما فسَّرها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: " قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: " مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ؛ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي: بِشِدْقَيْهِ - يَقُولُ أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ " ثُمَّ تَلَا هَـذِهِ الْآيَةَ: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [آل عمران:180]"[1].


 


والشجاع الأقرع: الحيَّة الذكر المتمعط الشعر رأسه؛ لكثرة سمِّه، والزبيبتان: نقطتان سوداوان فوق عينيّ الحية.


 


الثاني: إن منع مالًا من: ذهب، أو فِضة، أحميت يوم القيامة صفائح من نار؛ فعُذِّب بها، وإن كان المال حيوانًا: إبلًا، أو بقرًا، أو غنمًا، أُرسل على صاحبه يطؤه، ويُعَذَّب به.


 


قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ [التوبة: 34-35].


 


وفي صحيح من مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلاَ فِضَّةٍ، لاَ يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ، وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلُهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ فَالإِبِلُ؟ قَالَ: " وَلاَ صَاحِبُ إِبِلٍ، لاَ يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلْبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لاَ يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَأهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاَهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ فَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: "وَلاَ صَاحِبُ بَقَرٍ، وَلاَ غَنَمٍ، لاَ يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لاَ يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلاَ جَلْحَاءُ، وَلاَ عَضْبَاءُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاَهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ"[2].


 


[2]: ذنوب لا يكلِّم الله أصحابها يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم.


والمقصود: أن أصحاب هذه الذنوب الله - عز وجل - ﴿ لاَ يُكَلِّمُهُمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾: وجمهور المفسرين على أنه لا يكلّمهم كلاما ينفعهم، ويسرّهم، ويرضى به عليهم، وهناك أقوال أخرى هذا أصحها - والله أعلم -؛ لأن الله - عز وجل - يكلّم أهل النار وهم في النار، لكنه كلام ليس على سبيل الرّضا، فيقول تعالى: ﴿ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾، ﴿ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ﴾: أي: لا ينظر إليهم نظرا خاصا، بل يعرض عنهم فلا ينظر إليهم نظر رحمة، ولطف، وإنما النظر العام فإن الله تعالى ينظر إلى كل شيء سبحانه، ﴿ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ ﴾: أي: لا يطهرهم من الدنس، ولا يثني عليهم خيرا، وهم عِدَّة أصناف:


الأول: الذين يكتمون ما أنزل الله تعالى من الكتاب.


فكتم علماء الأمة شيئًا من العلم إرضاءً لحكامهم، أو تحقيقًا لمصلحة شخصية، أو طلبًا لعرض من الدنيا، صار مشابهًا لأحبار ورهبان اليهود والنصارى في كتمهم، فكان جزاؤهم هذا الجزاء.


 


قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة:174].


 


وفي سنن أبي داود، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ سُئِلَ عن عِلْمِ عَلِمَهُ ثم كَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ"[3].


 


الثاني: الذين ينقضون ما عاهدوا الله تعالى عليه، ويشترون بأيمانهم ثمنًا قليلاً.


فيحلفون الأيمان الكاذبة؛ ليحققوا مكسبًا دنيويًا، قال الله تعالى:


﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَـهُمْ عَـذَابٌ أَلِـيمٌ ﴾ [آل عمران:77].


 


وعند البخاري، من حديث عبدِ الله بن أبي أوفى رضي الله عنه:" أنَّ رَجُلًا أقامَ سِلعةً وهوَ في السُّوقِ، فحَلَفَ بالله لقد أعطى بها ما لم يُعطَ؛ ليُوقِعَ فيها رجُلًا منَ المسلمينَ، فنزَلَتْ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾"[4].


 


وجاء في صحيح مسلم ما يبين هذا الوعيد على من يروِّج سلعته بالحلف الكاذب؛ لأن الناس سيصدقونه، وستنفد السلعة حينئذ، فيستغل الحلف كذبا؛ لتنفيق سلعته، فعن أبي ذر رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: " ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللّهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ. قَالَ أَبُو ذَرَ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: "الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ "[5].


 


بل جاء عند الطبراني، من حديث سلمان رضي الله عنه ما يدل على أن الإنسان يستحق هذا الوعيد وإن كان صادقًا، حينما يكثر من الحلف بالله تعالى، قال رسول صلى الله عليه وسلم: " ثَلاثَةٌ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أُشَيْمِطٌ زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللَّهَ بِضَاعَةً، لا يَشْتَرِي إِلا بِيَمِينِهِ، وَلا يَبِيعُ إِلا بِيَمِينِهِ"[6]، قال المنذري: رواته يُحتج بهم في الصحيح.


 


الثالث: المسبل إزاره.


الرابع: المنَّان.


 


الذي يسبل إزاره تحت الكعبين[7]، وكذا الذي يعطي العطية فيمنُّ على الناس بها، يدخلان ضمن هذا الوعيد؛ لحديث أبي ذر رضي الله عنه الذي تقدم، وفيه: "الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ"[8].


 


الخامس: كبير السِّن إذا زنا.


السادس: الملك، والسلطان إذا كذبا.


السابع: الفقير إذا تكبَّر.


وهؤلاء الثلاثة جاء وعيدهم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ"[9].


 


والسبب في اجتماع هؤلاء الثلاثة في هذا الوعيد: لأن كل واحد منهم فعل معصيته مع قِلَّة الدواعي إليها؛ فالشيخ؛ وهو الكبير في السِّن قد بردت شهوته، وخفَّت إرادته، وهو مع ذلك يزني، فهذا غريب جدا في حقه؛ لضعف الدواعي لذلك.


 


والملِك كذلك؛ وهو الإمام، فهو لا يخشى أحدا من رعيته، ولا يحتاج إلى أن يداهن أحدا، فالكذب منه غريب؛ لضعف الدواعي إليه.


والعائل؛ وهو الفقير على ماذا يتكبر؟! فإن غالب من يتكبر إنما يتكبر من أجل ما عنده من مال، أو جاه، والثروة في الدنيا، وهذا سبب ليس عند الفقير، فكان الاستكبار منه شيء غريب؛ لقلة الدواعي لذلك، فهو المحتاج، والناس ربما يكونون سببا في سد حاجته، فكيف يتكبَّر عليهم، ولا شيء لديه يتكبَّر من أجله؟[10].


الثامن: من منع ابن السبيل الماء الفاضل بالصحراء.


 


التاسع: من بايع إمام المسلمين؛ لأجل أغراض دنيوية.


فلو أن شخصًا منع ابن السبيل، وهو: المسافر، ومن على شاكلته، من ماء زائد على الحاجة، فإنه يدخل في هذا الوعيد، وكذلك من بايع إمام المسلمين من أجل الدنيا، إن أعطاه من هذه الدنيا، وأموالها كان وفيًا معه، وإن لم يعطه لم يفِ له، أي: أنه لم يبايعه ديانة، ونصحًا له، وتأييدا للحق الذي معه من الكتاب، والسُّنَّة، وإنما من أجل الدنيا، فإنه يدخل في هذا الوعيد.


 


ويدل على ذلك:


حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -: " ثَلاَثٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالفَلاَةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِالله لأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذٰلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَاما لاَ يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَىٰ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ"[11].


 


[3]:حال الأثرياء المنعَّمون:


فإن هؤلاء وإن كانوا منعَّمون في هذه الحياة الدنيا، مكثرون من الأموال، إلا أنَّهم يوم القيامة هم الأقلون الأخسرون خسارة عظيمة، حلف عليها النَّبي صلى الله عليه وسلم، وليس هذا على إطلاقه، بل استثنى النَّبي صلى الله عليه وسلم من كان منهم منفقًا ماله في سبل الخير، فإنه لا يدخل في هذه الخسارة، ففي الصحيحين من حديث أَبِي ذَرَ، قَالَ:" انْتَهَيْتُ إِلَىٰ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ. فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: " هُمُ الأَخْسَرُونَ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ " قَالَ: فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ، فَلَمْ أَتَقَارَّ أَنْ قُمْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي مَنْ هُمْ؟ قَالَ: " هُمُ الأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا، إِلاَّ مَنْ قَالَ هٰكَذَا، وَهٰكَذَا، وَهٰكَذَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ، وَلاَ بَقَرٍ، وَلاَ غَنَمٍ لاَ يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إِلاَّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ، تَنْطِحَهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَأُهُ بِأَظْلاَفِهَا، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا، حَتَّىٰ يُقْضَىٰ بَيْنَ النَّاسِ""[12].


 


وفي رواية: "إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلاَّ مَنْ أَعْطَاهُ الله خَيْرًا. فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا"[13].


 


وفي هذا الحديث أعظم دلالة على أن المال حجة على صاحبه إن لم يعط منه في وجوه الخـير.


 


[4]: حال الغادر.


وهو الذي يواعد على أمر ولا يفي به، فإنَّه له حال يأتي بها يوم القيامة؛ حيث يرفع له لواء وهي الراية العظيمة يُعرف بها بوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان، فيا لها من فضيحة عظيمة!!


 


ففي الصحيحين من حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "إذَا جَمَعَ اللّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هَـذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ"[14]، وهذه الراية تجعل عند مؤخرته يعرف بها.


 


ففي صحيح مسلم من حديث أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"[15].


 


وتقدَّم أنَّه أعظم من هذا حينما تكون الغدرة من الحاكم، والسلطان؛ لأن ضرره حينئذ يكون أعظم، فهو ضـرر متعـدٍ، ففي رواية عند مسلم: " أَلاَ، وَلاَ غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ "[16].


 


[5]: حال من غلَّ من الغنيمة:


قال الله تعالى: ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ [آل عمران:161]، فهو يأت يوم القيامة على حال مفضوحة، معه ما غلَّه في الحياة الدنيا، والله المستعان.


 


قال القرطبي: ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ أي: يأتي به حاملًا له على ظهره ورقبته، معذبًا بحمله وثقله، ومرعوبًا بصوته، وموبخًا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد"[17].


 


[6]: حال من غصب أرضًا.


عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ أَخَذَ مِنْ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ "[18].


 


[7]:حال الحاكم الذي يحتجب عن رعيته وحاجتهم:


عن أبي مَرْيَمَ الأزْدِيَّ قالَ:" دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فقالَ: مَا أنْعَمَنَا بِكَ أبَا فُلاَنُ، وَهِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ، فَقُلْتُ: حَدِيثًا سَمِعْتُهُ أُخْبِرُكَ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " مَنْ وَلاَّهُ الله - عَزَّ وَجَلَّ - شَيْئًا مِنْ أمْرِ المُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ، وَخَلَّتِهِمْ، وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ الله عَنْهُ - وفي رواية: يوم القيامة - دُونَ حَاجَتِهِ، وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ ""[19].


 


[8]: حال من كانت له زوجتان لم يعدل بينهما.


عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ يَمِيلُ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ سَاقِطٌ "[20].


 


وعند الدارمي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ"[21].


 


قال العيني رحمه الله: " من كانت له امرأتان.. ": قيل: المراد سقوط شقه حقيقة، أو المراد سقوط حجته بالنسبة إلى إحدى امرأتيه التي مال عليها مع الأخرى، والظاهر: الحقيقة، تدل عليها رواية أبي داود "شقه مائل " والجزاء من جنس العمل، ولما لم يعدل، أو حاد عن الحق، والجور والميل: كان عذابه أن يجيء يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، وأحد شقيه مـائل. أ. هـ. "[22].


 


[9]: حال من سأل الناس أموالهم من غير ضرورة، ولا حاجة؛ وإنما ليكثر ماله.


عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّىٰ يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ"[23]؛ أي: ليس في وجهه قطعة لحم.


 


[10]: حال من يكذب في الرؤيا.


[11]: حال من يستمع إلى حديث قوم بغير حق وهم كارهون لسماعه.


 


[12]: حال المصورين.


عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ؛ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ وَمَنْ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ، وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا وَلَيْسَ بِنَافِخٍ"[24]، و" الآنك ": هو الرصاص المذاب - نسأل الله السَّلامة والعافية -.


 


وفي الصحيحين عن عائشةَ - رضيَ الله عنها - قالت:" دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَفِي الْبَيْتِ قِرَامٌ فِيهِ صُوَرٌ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ، وَقَالَتْ:قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ "[25]، و" القرام": بكسر القاف، هو: الستر الرقيق.


 


[13]: حال النائحة.


عن أبي مالك الأَشْعَرِيَّ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَب"[26].


 


والنياحة؛ هي: رفع الصوت بالبكاء على الميت، و" السربال ": هو الثوب، وقوله:" مِنْ قَطِرَانٍ": هو النُّحاس المذاب.


 


وقوله:" وَدِرْعٌ مِنْ جَرَب" الدرع كذلك هو: الثوب، والجرب: مرض جلدي، يكون في الإبل، ويكـون في الإنسان.


 


[14]: حال من قذف مملوكه:


عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَا؛ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إلاَّ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ"[27].


 


مستلة من: "فقه الانتقال من دار الفرار إلى دار القرار"

[1] رواه البخاري برقم (4565).

[2] رواه مسلم برقم (987)، (بِقَاعٍ قَرْقَرٍ): القاع: أصله المكان المنخفض الذي يستقر فيه الماء، والقرقر: المستوي الواسع من الأرض أيضاً.

( لاَ يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلاً وَاحِدا ً): الفصيل: هو: ولد الناقة حين يفصل عن أمه، والحوار إذا فطم سمي فصيلاً.

( لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلاَ جَلْحَاءُ، وَلاَ عَضْبَاءُ): والعقصاء هي: الملتوية القرن، والجلحاء: هي التي لا قرون لها،

والعضباء: هي التي انكسر قرنها الداخل، وفي هذا بيان أنها ذات قرون لا عيب فيها؛ لتكون أنكى، وأقوى في الطعن والنطح.

وقيل: إن العضباء يكون قطعها في الأذن، ولذا ناقة النَّبيّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - تسمَّى: (العضباء)، وقيل: الأعضب في القرن والأذن.

(وَتَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِهَا) الظلف يكون للبقر، والغنم، والظباء، وكل دابة مشقوقة القوائم، والخف للبعير، والحافر للفرس، والبغل، والحمار، والقدم للآدمي.

 

[3] رواه أبو داود برقم (3658)، رواه الترمذي برقم (2649)، وقال: حديث حسن.

[4] رواه البخاري برقم (2088).

[5] رواه مسلم برقم (106).

[6] رواه الطبراني (6/57).

[7] وفي المسألة خلاف مشهور هل الوعيد ينطبق على من يسبل إزاره مطلقاً أو أن المقصود فيمن يسبل إزاره مختالاً، و ليس المقام مقام بسط للخلاف فيمن هو المسبل المتوعد عليه؟ والأظهر والله أعلم أن المسبل مطلقاً يدخل في الوعيد فلا ينظر الله إليه يوم القيامة، وقد بسطت الخلاف في المسألة بأدلتها في إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم في كتاب الإيمان شرح الحديث رقم (74).

[8] رواه مسلم برقم (106).

[9] رواه مسلم برقم (107).

[10] انظر: كلام القرطبي في المفهم (1/305)، وانظر:كلام القاضي عياض في شرح مسلم للنووي (3/299).

[11] رواه البخاري برقم (2369)، رواه مسلم برقم (108).

[12] رواه البخاري برقم (6638)، رواه مسلم برقم (990).

[13] رواه البخاري برقم (6443)، رواه مسلم برقم (94).

[14] رواه البخاري برقم (3186، 3187)، رواه مسلم برقم (1735).

[15] رواه مسلم برقم (1738).

[16] رواه مسلم برقم (1738).

[17] انظر: تفسير الآية في تفسير القرطبي.

[18] رواه البخاري برقم (2454).

[19] رواه أبو داود برقم (2948)، انظر: صحيح الجامع الصغير حديث (6471).

[20] رواه أحمد برقم (8568)، رواه أبو داود برقم (2133)، رواه الترمذي برقم (1141)، رواه النسائي برقم (3394)، رواه ابن ماجه برقم (1969).

[21] رواه الدارمي برقم (2206).

[22] انظر: عمدة القارئ (20/199).

[23] رواه البخاري برقم (1474)، رواه مسلم برقم (1040).

[24] رواه البخاري برقم (7042).

[25] رواه البخاري برقم (6190)، رواه مسلم برقم (2107).

[26] رواه مسلم برقم (934).

[27] رواه البخاري برقم (6858)، رواه مسلم برقم (1660).