سنن وآداب في السلام واللقاء والمجالس


 


السَّلام عند دخول المجلس، وعند مفارقته:


يُسَنُّ لمن أراد أن يقوم من المجلس، ويفارقه أن يُسلِّم عليهم قبل أن يفارقهم، كما سلَّم حين قَدِم عليهم.


 


لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى المَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ، فلَيْسَتِ الأولَى بِأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ»[1].


 


تُسَنُّ المصافحة مع السَّلام عند اللُّقيا:


وعلى هذا عمل الصحابة رضي الله عنهم، دلَّ عليه: حديث قَتادةَ رضي الله عنه قال: «قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَكَانَتْ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: نَعَمْ»[2].


 


يُسَنُّ التبسّم، وطلاقة الوجه عند اللقاء:


لحديث أَبِي ذَرّ رضي الله عنه قال: قال لي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شيئاً، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»[3]، وعند الترمذي من حديث أبي ذَرّ رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَبَسُّمُكَ في وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ»[4].


 


تُسَنُّ الكلمة الطيبة فهي صدقة:


وسواء كانت عند اللقاء، أو المجالسة، أو في أي حال، فالكلمة الطيبة سُنَّة؛ لأنها صدقة.


 


ويدلّ عليه: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ»[5].


 


وحديث عَدِيِّ بن حاتِم رضي الله عنها قال: «ذَكَرَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم النَّارَ فَأعْرَضَ وَأَشَاحَ، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّار»، ثُم أَعْرَضَ وَأَشَاحَ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ كَأَنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»[6]


 


وكثيراً ما يجري على ألسنة الناس كلامٌ طيبٌ، لو احتسبوه لأُجروا على ذلك كثيراً، وأخذوا من هذه الصدقات بحظ وافر.


 


قال شـيخنا ابن عثيمين رحمه الله: «كلمة طيبة مثل أن تقول له: كيف أنت؟ كيف حالك؟ كيف إخوانك؟ كيف أهلك؟ وما أشبه ذلك؛ لأن هذه من الكلمات الطيبة التي تدخل السرور على صاحبك، كل كلمة طيبة فهي صدقة لك عند الله، وأجر، وثواب»[7].


 


استحباب ذكر الله تعالى في المجلس:


والأحاديث في فضائل مجالس الذكر، والحث عليها كثيرة، ومن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَال: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا، وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا، وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا، قَالَ: يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ قَالَ: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا، وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِنْ النَّارِ، قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا، وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً، قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمْ: فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ»[8].


 


ولمجالس الذكر فضائل كثيرة -ليس هذا موطن بسطها- فينبغي لمن جلس مجلساً ألَّا يقوم إلا وقد ذكر الله تعالى فيه.


 


وجاء في السُّنَّة ما يدل على ذمِّ المجالس التي لا يُذكر الله سبحانه فيها، ومن ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لا يَذْكُرونَ الله فِيهِ، إِلاَّ قَامُوا عنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وكَانَ لَهُمْ حَسرةً»[9].


 


يُسَنُّ ختم المجلس بـ: (كفارة المجلس):


لحديث أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ جَلَس في مَجْلِسٍ فَكثُرَ فيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أن لاَ إلَهَ إلاّ أنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ إِلاّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ»[10] [11].


 


ومما نُهي عنه في هذا الباب:


ابتداء أهل الكتاب بالسلام، ومصافحة المرأة الأجنبية، والخلوة بها، وألا يؤم الزائر صاحب البيت بالصلاة إلا بإذنه، وإقامة الشخص من مجلسه والجلوس فيه، والتفريق بين اثنين في المجلس بدون إذنهما، وتناجي اثنين دون الثالث، وسماع حديث قوم وهم له كارهون، وتحديث الشخص بكل ما سمعه من الناس؛ لأن في كلام الناس ما هو كذب، وترويع المسلم، والتكبر في المشـي، والتجسس على المسلمين، وآفات اللسان كالكذب، وإضحاك القوم كذباً، وكالغيبة، والنميمة، واللعن، والطعن، والفحش، والجدال المذموم، والخصومة، والحلف بغير الله، وكثرة الحلف بالله تعالى لاسيما في البيع والشراء، والتفاخر والطعن في الأنساب، واحتقار الآخرين، والشماتة بالمسلمين وغيرها من آفات اللسان، وكذلك الحسد، وسوء الظن، والغل، وغيرها من الآفات القلبية.


 


مستلة من كتاب: المنح العلية في بيان السنن اليومية


 

[1] رواه أحمد برقم (9664)، وأبو داود برقم (5208)، والترمذي برقم (2706)، وصححه الألباني (صحيح الجامع 1/ 132).

[2] رواه البخاري برقم (6263).

[3] رواه مسلم برقم (2626).

[4] رواه الترمذي برقم (1956)، وصححه الألباني (الصحيحة 572).

[5] رواه البخاري برقم (2989)، ومسلم برقم (1009).

[6] رواه البخاري برقم (6023)، ومسلم برقم (1016)

[7] انظر: شـرح رياض الصالحين لشـيخنا (2/ 996) باب: استحباب طيب الكلام، وطلاقة الوجه عند اللقاء.

[8] رواه البخاري برقم (6408)، ومسلم برقم (2689).

[9] رواه أحمد برقم (10680)، وأبو داود برقم (4855)، وصححه الألباني (تخريج الكلم الطيب 1/ 166).

[10] رواه الترمذي برقم (3433).

[11] رواه أبو داود برقم (4857). من حديث عبد الله بن عمرو. والنَّسائي -الكبرى- برقم (1343). من حديث عائشة رضي الله عنها. وقال ابن حجر رحمه الله في آخر شـرح الفتح: «سنده قوي»، وكذلك صححه في نكته على ابن الصلاح، والحديث بمجموع طرقه يقوى، وصححه الألباني (صحيح الجامع 2/ 1065).