الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم وبارك على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد، فقد تم في العام الأول من ولاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله ووفقه لما فيه رضاه ثلاثة إنجازات مهمة:


أولها: إطلاق عاصفة الحزم بالتعاون مع دول الخليج لنجدة الحكومة اليمنية وصد عدوان المعتدين عليها من الحوثيين وأتباع رئيسها السابق بناء على طلبها.

وثانيها: إعلان التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب، والمقصود بالإرهاب: الإرهاب المذموم الذي فيه الاعتداء على الأنفس والممتلكات، وهو غير الإرهاب المحمود الذي ذكره الله في قوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}، وفائدة هذا التحالف: تعاون الدول الإسلامية على مكافحة الإرهاب المذموم وإعانة بعض الدول الإسلامية التي لا تتمكن من القضاء على الإرهاب في بلادها.

وثالثها: تنفيذ الأحكام الشرعية بقتل سبعة وأربعين من المفسدين في بلاد الحرمين وذلك في اليوم الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول من عام 1437هـ، وسبق أن كتبت رسالتين إحداهما بعنوان: «بأي عقل ودين يكون التفجير والتدمير جهاداً؟! ويْحكم أفيقوا يا شباب!» طبعت في عام 1424هـ، والثانية بعنوان: «بذل النصح والتذكير لبقايا المفتونين بالتكفير والتفجير» طبعت في عام 1426هـ وطبعتا معاً ضمن مجموع كتبي ورسائلي (6/225 ــ 279)، وقد ذكرت فيهما الأدلة من الكتاب والسنة على تحريم الاعتداء على الأنفس المعصومة والممتلكات وأن الشباب الذين حصل منهم الاعتداء على الأنفس المعصومة والممتلكات في عام 1424هـ سلفهم الخوارج الذين خرجوا على الصحابة في خلافة علي رضي الله عنه نتيجة لفهومهم الخاطئة للكتاب والسنة وعدم فقههم في الدين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه بالدين» رواه البخاري (71) ومسلم (1037) من حديث معاوية رضي الله عنه، وقد ظهر في الآونة الأخيرة فرقة في العراق والشام أطلقت على نفسها الخلافة الإسلامية اشتهرت بالفرقة الداعشية، وقد كتبت في بيان باطلها عدة كلمات وأنه فتن بها بعض حدثاء الأسنان في بلاد الحرمين الذين يهلكون أنفسهم وغيرهم بالأحزمة الناسفة ولاسيما في المساجد، ويوهمهم المضلون لهم بأنهم يدخلون الجنة، وجنة هؤلاء الدجاجلة شبيهةٌ بجنة الدجال الأعظم المسيح الدجال، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في حديث الدجال قوله صلى الله عليه وسلم: «وأنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول أنها الجنة هي النار» رواه البخاري (3338) ومسلم (7372).

ولاشك أن إقامة الحد على من يستحقونه فيه ردع وزجر لغيرهم أن لا يفعلوا مثل فعلهم فيعاقبوا بمثل عقوبتهم، وقد قال الله عز وجل: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}، وقال في قتل القاتل عمداً: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، والتأديب يأتي بالأدب ومن أمن العقوبة أساء الأدب، وقد قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» (البداية والنهاية لابن كثير 2/301)، وقال شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في كتابه (أضواء البيان) عند تفسير قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} قال: «فإن لم تنفع الكتب تعينت الكتائب» يشير إلى ما جاء في آية الحديد: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}، قال الشاعر:

السَّيْفُ أصْدَقُ أنْباءً مِنَ الكُتُبِ ... فِي حدّهِ الحَدُّ بَينَ الجدّ وَاللعِبِ

وهذه العقوبات التي حصلت لهؤلاء الجناة تنفيذا لأحكام شرعية من القضاة يستحق مثلها من يثبت عليهم الاعتداء على شرع الله ودينه وسب الله ورسوله والاستهزاء بالأحكام الشرعية، فينبغي أن يجعل لهؤلاء جهة قضائية يرفع إليها من يحصل منه شيء من ذلك وهو ما قررته هيئة كبار العلماء بتاريخ 6/8/1436هـ المنشور في صحيفة الرياض بتاريخ 7/9/1436هـ ومما جاء فيه: «ومن تلك المهالك والمخاطر العظيمة رد حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم اتباعاً للهوى أو بدعوى مخالفة العقل، فإن هذا الرد لحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ناقض للإيمان بإجماع العلماء» ومما جاء فيه أيضا: «وأن من وقع في شيء من ذلك وجب رفع أمره للقضاء للنظر فيه وإنزال العقوبة المستحقة عليه» .

وأسأل الله عز وجل أن يحفظ هذه البلاد من كل شر وأن يوفقها لكل خير وأن يوفق ولاة الأمر فيها لكل ما تحمد عاقبته في الدنيا والآخرة، إنه سميع مجيب.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.