جاء في مقال نشر في ( المسلمون العدد الثالث سنة 1371هـ ) للعلامة المحقق والبحاثة المدقق الأديب الأريب محمود محمد شاكر بعنوان ( لا تسبوا أصحابي ) تعرض فيه لطعون سيد قطب في الصحب الكرام ـ رضي الله عنهم ـ من تلك النصوص ما نصه ( وجاء معاوية فعاونه العصبة التي شاكلته وعلى رأسها عمرو بن العاص قوم تجمعهم المطامع والمآرب وتدفعهم المطامح والرغائب ولا يمسكهم خلق ولا دين ولا ضمير ) ونقل كذلك عن سيد في حق أبي سفيان بن حرب ـ رضي الله عنه ـ قال :( أبو سفيان هو ذلك الرجل الذي لقي الإسلام منه والمسلمون ما حفلت به صفحات التاريخ, والذي لم يُسلم إلا وقد تقررت غلبة الإسلام, فهو إسلام الشفة واللسان لا إيمان القلب والوجدان, وما نفذ الإسلام إلى قلب ذلك الرجل فلقد ظل يتمنى هزيمة المسلمين ويتبشر لها في يوم حنين, بينما يتظاهر بالإسلام ولقد ظلت العصبية الجاهلية تسيطر على فؤاده .... ).

ومن الطعون الفجة المنكرة التي وقع بها على بني أمية وهم بنو عمومة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ يلتقون معه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عبد مناف وهو الجد الثالث لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وله تنسب قبيلة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قريش, فقبيلة عبد مناف مفرعة على أربعة بيوت : بنو هاشم وهم بيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ , وبنو المطلب ومنهم عبيدة بن الحارث المطلبي شهيد بدرـ رضي الله عنه ـ وهو حينها رأس بني عبد مناف, ومنهم الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ, وبنو أمية ومنهم ذو النورين عثمان وأبو حذيفة بن عتبة وأم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان, ومن هنا قيل إنها أقرب نسائه له نسبا ـ رضي الله عنهم جميعا ـ, وبنو نوفل ومنهم الجبير بن مطعم ـ رضي الله عنه ـ ولهذا لما أراد حسان بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ أن يجيب شعرا على من هجا رسول الله فقال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- : «فكيف بِنَسَبي ؟ فقال حسانُ: لأسلَّنَّكَ منهم كما تُسَلُّ الشَّعرَةُ من العجين» هذا في الصحيحين.

وفي رواية لمسلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرسل إلى حسان بن ثابت ، فلما دخل عليه قال حسانُ : قد آن لكم أن تُرْسِلوا إلى هذا الأسدِ الضَّاربِ بِذَنَبِهِ ، ثم أدْلَعَ لسانه ، فجعل يُحرِّكُه ، فقال : والذي بعثك بالحق ، لأفرينَّهُمْ بلساني فرْيَ الأديم ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : لا تَعْجلْ فإن أَبا بكر أعلمُ قريش بأَنسابها ، وإن لي فيهم نَسَبا ، حتى يُلَخِّصَ لك نسَبي ، فأتاه حسان ، ثم رجع ، فقال : والذي بعثك بالحق ، لأسُلَّنَّكَ منهم كما تُسَلُّ الشعرة من العجين ، قالت عائشة : فسمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لحسان إن رُوحَ القُدُس لا يزال يُويِّدُكَ ما نَافحتَ عن الله ورسوله ، وقالت عائشة : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : يقول : هَجاهُم حسان ، فشَفى واشْتَفى .

قال سيد قطب عن بني أمية ـ والذين تبين لنا من هم ـ كما نقله العلامة محمود شاكر في مقاله الناصح ( أمية بصفة عامة لم يعمر الإيمان قلوبها وما كان الإسلام لها إلا رداء تخلعه وتلبسه حسب المصالح والملابسات ) وقال عنها ( أسرة لم تعمر روح الإسلام نفوسها فآمنت على حرف حين غلب الإسلام وظلت تحلم بالملك الموروث العضوض حتى نالته فسارت بالأمر سيرة لا يعرفها الإسلام ) , فهذه نقولات نقلها منتقدا لها العلامة محمود شاكر مناصحا لصاحبها لعله يتذكر أو يخشى , أو يذكر فتنفعه الذكرى فيصحح ما حبره بالسواد قلمه, وأبرمه بنانه, وعقده جنانه, ولهج به لسانه .

فماذا عسى أن يكون جزاء الإحسان إلا كما قال الله ـ جل وعلا ـ إلا الإحسان, ولكن الشأن مع سيد قطب آخر, فهو الذي لا يطاله نقد!, كان الجواب التهكم والسخرية والاستهزاء والتعالي, بينما الواجب عليه شرعا التسليم والتوبة والإعلان عنها؛ ولاسيما أن الأمر متعلق بمسلمات عقدية وثوابت شرعية ظلت وستظل حدا ا بين الحق وحملته وبين الباطل ودعاته.

قال سيد قطب رادا على العلامة محمود شاكر ـ رحمه الله ـ كما في مجلة الرسالة العدد 977 بتاريخ 24/3/1952 ( ... ذلك أنني لم أستشعر في هذا الصخب الصاخب أثرا من صفاء نية, ولا رغبة في تجلية حقيقة ... ) . ثم قال : ( ولو كانت الحقائق هي المقصودة لما احتاج الكاتب الفاضل إلى اصطناع مثل هذا الأسلوب الصاخب المفرقع ) إلى أن قال ( وما كان لي بعد هذا وأنا مالك زمام أعصابي مطمئن إلى الحق الذي أحاوله أن ألقي بالا إلى صخب مفتعل وتشنج مصطنع, وما كان لي إلا أن أدعو الله لصديقنا شاكر بالشفاء والعافية والراحة مما يعاني والله لطيف بعباده الأشقياء ).


المصدر مقالة للشيخ هاني بن بريك حفظه الله بعنوان أنشدكم العدل في سيد قطب