من سنن اللباس

واستعمال الطيب


• مِن السُّنَّة لبس البياض من الثياب.


والمقصود: أن يلبس الثياب ذات اللون الأبيض؛ لحديث ابن عبَّاس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُم الْبَيَاضَ فإنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكم، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُم"[1].


 


والأصل في الأوامر، والنَّواهي أنها خطاب للأمَّة جمعاء رجالاً ونساءً، حتى يأتي دليل يدلّ على خصوصـية الرجال أو النِّساء، وفي الحديث السَّابق لا مخصِّصَ لأحدهما عن الآخر، ولكن قد يقال بأن سنيَّة البياض للرجال فقط في مجتمع لم يكن من عادة نسائه لبس البياض؛ لئلا يشابه لباسُ النِّساء لباسَ الرجال، أما إذا انتفت العلة فالأصل أنَّ الخطاب للجميع، فالمرأة مخاطبة بهذه السُّنَّة كالرجل ما لم يترتب على ذلك محذور.


 


قال شـيخنا ابن عثيمين رحمه الله: "وهو شامل للبس الثياب البيض: القمص، والأُزر، والسـراويل، كلها مما ينبغي أن تكون من البياض، فإنه أفضل، ولكن لو أنه لبس من لون آخر فلا بأس، بشـرط ألَّا يكون مما يختص لبسه بالنساء"[2].


 


• من السُّنَّة استعمال الطِّيب.


فاستعمال الطِّيب سُنَّة، ويتأكد في مواطن - سـيأتي بيان بعضها -.


 


ومما يدلّ على سنِّيَّة التطيّب:


أ. حديث أَنَسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "حُبِّبَ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ"[3].


 


• وأمَّا لفظ: "حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ" فضعيف.


 


قال شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة منه إلى أصحابه، وهو في حبس الإسكندرية: "وكان النَّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ "حُبِّبَ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ"‏، ثم يقول‏:‏ "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ "، ولم يقل‏:‏ "حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ"، كما يرفعه بعض الناس، بل هكذا رواه الإمام أحمد، والنَّسَائي أنَّ المحبب إليه من الدنيا: النِّسَاء، والطيب‏، وأمَّا قرة العين، تحصل بحصول المطلوب وذلك في الصلاة"‏[4].


 


ب. وعن أنسٍ رضي الله عنه أيضاً قال: "مَا مَسِسْتُ حَرِيرًا وَلَا دِيبَاجًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَا شَمِمْتُ رِيحًا قَطُّ، أَوْ عَرْفًا قَطُّ، أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ، أَوْ عَرْفِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم "[5]. والديباج: نوع من أنواع الحرير، والعَرف: هو الريح الطيب.


 


ج. وعن نافـع، قال: "كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه إِذَا اسْتَجْمَرَ، اسْتَجْمَرَ بِألُوَّةٍ، غَيْرَ مُطَرَّاةٍ، وَبِكَافُورٍ، يَطْرَحُهُ مَعَ الأَلُوَّةِ، ثُمَّ قَالَ: هَـكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم "[6].


 


قال النَّووي رحمه الله: "الاستجمار هنا: استعمال الطِّيب، والتبخّر به، مأخوذ من: المجمر، وهو: البخور، وأمَّا الألُوَّة، فقال الأصمعي، وأبو عبيد، وسائر أهل اللغة: والغريب هي: العود يتبخر به...، وقوله: (غير مطراة) أي: غير مخلوطة بغيرها من الطيب، ففي هذا الحديث استحباب الطيب للرجال، كما هو مستحب للنِّسَاء لكن يُستحب للرجال من الطيب ما ظهر ريحه، وخفي لونه، وأمَّا المرأة فإذا أرادت الخروج إلى المسجد، أو غيره كرِهَ لها كل طيب له ريح، ويتأكَّد استحبابه للرجال يوم الجمعة، والعيد عند حضور مجامع المسلمين، ومجالس الذكر، والعلم، وعند إرادته معاشـرة زوجته، ونحو ذلك -والله أعلم-"[7].


 


• وكان يَكرَه صلى الله عليه وسلم أن توجد منه ريح كريهة: فقد جاء عند البخاري في حديث طويل عن عائشة رضي الله عنها قالت: "وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ"[8]. أي: الريح غير الطيبة.


 


• أطيب الطيب: المسك.


لما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخُدْرِيِ رضي الله عنه: "أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسـرائِيلَ، حَشَتْ خَاتَمَهَا مِسْكاً، وَالْمِسْكُ أَطْيَبُ الطِّيبِ"[9]. ورواه أبو داود بلفظ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أطْيَبُ طِيبُكُم المِسْكُ"[10].


 


فالأفضل للمسلم أن يتطيَّب بأفضل ما يجد، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتطيب عند إحرامه بأطيب ما يجد فعَن عائشة رضي الله عنها قالت: "كَانَ رَسُولُ اللّه ِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ، يَتَطَيَّبُ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ"[11].


 


• يُكْرَه ردُّ الطيب.


ويدلّ عليه:


أ. حديث أَنسٍ رضي الله عنه: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ"[12].


ب. وحديث أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيبٌ فَلاَ يَرُدَّهُ فإِنَّهُ طَيِّبُ الرِّيحِ خَفِيفُ المَحْمَلِ"[13].


 


وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ، فَلاَ يَرُدُّهُ، فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ طَيِّب الرِّيحِ"[14]، والريحان: هو كل نبتة لها رائحة طيبة، ويحتمل أن يراد بالريحان في الحديث: جميع أنواع الطيب، ويكون مشتقاً من الرائحة، كما قال المنذري.


 


قال ابن حجر رحمه الله: "قلت: مخرج الحديث واحد، والذين رووه بلفظ الطيب أكثر عدداً، وأحفظ فروايتهم أولى، وكأن من رواه بلفظ: (ريحان) أراد التعميم حتى لا يخص بالطيب المصنوع...، قال ابن العربي: إنما كان لا يرد الطيب لمحبته فيه، ولحاجته إليه أكثر من غيره؛ لأنه يناجي من لا نناجي"[15].


 


قال صاحب عون المعبود رحمه الله: "والحديث يدلّ على أن ردّ الطِيب خلاف السُّنَّة؛ لأنه باعتبار ذاته خفيف لا يثقل حامله، وباعتبار عرضه طيب لا يتأذى به من يعرض عليه، فلم يبقَ حامل على الرد، فإن كل ما كان بهذه الصِّفة محبب إلى كل قلب مطلوب لكل نفس"[16].


 


مستلة من كتاب: المنح العلية في بيان السنن اليومية


[1] رواه أحمد برقم (2219)، وأبو داود برقم (3878)، و الترمذي برقم (994)، وصححه الألباني (صحيح الجامع 1/267).

[2] شـرح رياض الصالحين، لشـيخنا (2/1087 ).

[3] رواه أحمد برقم (12293)، والنَّسَائي برقم (3940). وقال الألباني في صحيح النَّسَائي: "حسن صحيح".

[4] مجموع الفتاوى (28/31).

[5] رواه البخاري برقم (3561).

[6] رواه مسلم برقم (2254).

[7] شـرح النووي لمسلم، حديث (2254)، باب استعمال المسك وأنه أطيب الطيب وكراهة رد الريحان والطيب.

[8] رواه البخاري برقم (6972).

[9] رواه مسلم برقم (2522).

[10] رواه أبو داود برقم (3158)، وصححه الألباني (صحيح أبي داود 3/200).

[11] رواه مسلم برقم (1190).

[12] رواه البخاري برقم (2582).

[13] رواه أبو داود برقم (4172)، وصححه الألباني (صحيح الجامع 2/1092).

[14] رواه مسلم برقم (2253).

[15] الفتح، حديث (5929)، باب: من لم يَرُدَّ الطيب.

[16] انظر: عون المعبود شـرح سنن أبي داود، حديث (4172)، باب: في رد الطيب.