المبحث الثالث :ذكر أهمّ قواعد التّمييع


هذا أوان الشّروع في المقصود ، وهو بيان قواعد « التّمييع » وأصوله التي امتاز بها عن غيره من المناهج ، وسأكتفي بذكر أهمّ القواعد ، مقتصرا في نقدها على ما قلّ من تعليقات أهل العلم – وبالله التّوفيق –

القاعدة الأولى : « نتعاون فيما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه»

قال الشّيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله تعالى - في رده على محمد علي الصابوني : " نعم ، يجب أن نتعاون فيما اتفقنا عليه من نصر الحق ، والدعوة إليه ، والتحذير مما نهى الله عنه ورسوله ، أما عذر بعضنا لبعض فيما اختلفنا فيه ، فليس على إطلاقه ، بل هو محل تفصيل : فما كان من مسائل الإجتهاد التي يخفى دليلها ، فالواجب عدم الإنكار فيها من بعضنا على بعض ، أما ما خالف النص من الكتاب والسنة ، فالواجب الإنكار على من خالف النص بالحكمة ، والموعظة الحسنة ، والجدال بالتي هي أحسن ، عملاً بقوله تعالى : " وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ "

وقوله سبحانه : " وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ "

وقوله عز وجل : "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ "

وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع ، فبلسانه ، فإن لم يستطع ، فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان "

وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " من دل على خير ، فله مثل أجر فاعله " ( أخرجهما مسلم في " صحيحيه " ) ، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة " ( 29)


قال الشّيخ الألباني- رحمه الله تعالى - في رده على من يقول بها : " هم أول من يخالف هذه الفقرة ، ونحن لا نشك بأن شطرًا من هذه الكلمة صواب ، وهو : « نتعاون فيما اتّفقنا عليه »

الجملة الأولى هي - طبعًا - مقتبسة من قوله تعالى : " وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى " ، أما الجملة الأخرى : « يعذر بعضنا بعضا » ، لا بد من تقييدها … متى ؟

حينما نتناصح ، ونقول لمن أخطأ : أخطأت ، والدليل كذا وكذا ، فإن رأيناه ما اقتنع ، ورأيناه مخلصًا ، فندعه وشأنه ، فنتعاون معه فيما اتفقنا عليه

أما إذا رأيناه عاند واستكبر وولى مدبرًا ، فحينئذ ، لا تصح هذه العبارة ، ولا يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه " ( 30)


قال الشّيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - : " فقولهم : « نجتمع فيما اتّفقنا فيه » ، فهذا حق ، وأما قولهم : « يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه » ، فهذا فيه تفصيل : فما كان الاجتهاد فيه سائغًا ، فإنه يعذر بعضنا بعضًا فيه ، ولكن لا يجوز أن تختلف القلوب من أجل هذا الخلاف

وأما إذا كان الاجتهاد غير سائغ ، فإننا لا نعذر من خالف فيه ، ويجب عليه أن يخضع للحق

فأول العبارة صحيح ، وأما آخرها فيحتاج إلى تفصيل "( 31)


وممّن أنكر هذه القاعدة من العلماء أيضا :


- اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

- فضيلة الشّيخ العلامة مقبل بن هادي الوادعي - رحمه الله -

- فضيلة الشيخ العلامة د. صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله

- فضيلة الشيخ العلامة الشيخ د. ربيع بن هادي عمير المدخلي حفظه الله

- فضيلة الشّيخ العلاّمة صالح اللّحيدان – حفظه الله -

- فضيلة الشيخ العلامة عبدالمحسن العباد البدر ـ حفظه الله

- فضيلة العلامة الشيخ عبيد بن عبد الله الجابري حفظه الله

- فضيلة العلامة الشيخ عبد الله الغديان رحمه الله

- فضيلة الشيخ العلاّمة بكر بن عبدالله أبو زيد ـ رحمه الله ـ

- فضيلة الشيخ علي بن محمد بن ناصر الفقيهي - حفظه الله -

وغير هؤلاء كثير ممّن يصعب حصرهم ، وبالجملة فلا تكاد تجد عالما سلفيا ، أو داعية أو طالب علم على طريق الجادة ، إلا وله كلام في ذمّ هذه القاعدة ، والرّدّ على ما حوته من باطل.


* ثمّ إنّ الجزء الأوّل من هذه القاعدة وهو : ( نتعاون على ما اتفقنا عليه ) ليس بصحيح أيضا ، ولا هو على إطلاقه ، وقد بيّن ذلك جمع من العلماء من ذلك :


اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء :

السؤال: بناء على قوله تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان "، يقال إنه يجب التعاون مع كل الجماعات الإسلامية وإن كانت تختلف بينها في مناهج وطريق دعوتهم، فإن جماعة التبليغ طريق دعوتها غير طريق الإخوان المسلمين أو حزب التحرير أو جماعة الجهاد أو السلفيين. فما هو الضابط لهذا التعاون؟ وهل ينحصر مثلاً في المشاركة في المؤتمرات والندوات؟ وماذا عند توجيه الدعوة إلى غير المسلمين؟ حيث قد يكون هناك التباسٌ كبيرٌ لدى المسلمين الجدد، فإن كل جماعة من هذه الجماعات سوف تدعوهم إلى مراكزهم وإلى علمائهم، فيكونون في حيرة من أمرهم. فكيف يمكن تفادي هذه الأمور؟

الجواب: " الواجب التعاون مع الجماعة التي تسير على منهج الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة في الدعوة إلى توحيد الله سبحانه، وإخلاص العبادة له، والتحذير من الشرك والبدع والمعاصي، ومناصحة الجماعات المخالفة لذلك، فإن رجعت إلى الصواب فإنه يتعاون معها، وإن استمرت على المخالفة وجب الابتعاد عنها والتزام الكتاب والسنة، والتعاون مع الجماعة الملتزمة لمنهج الكتاب والسنة يكون في كل ما فيه خير وبر وتقوى من الندوات والمؤتمرات والدروس والمحاضرات ، وكل ما فيه نفع للإسلام والمسلمين.وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم "( 32)

الشّيخ مقبل بن هادي الوادعي – رحمه الله –

سئل – رحمه الله : " هل نتعاون مع المخالف فيما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا أم نتعاون فيما اتفقنا ونقول الحق فيما اختلفنا ؟

فأجاب : " لا : لا نتعاون مع الإخوان المفلسين لا فيما اتفقنا ولا فيما اختلفنا ولامع أصحاب الجمعيات لا فيما اتفقنا فيه ولا فيما اختلفنا فيه لأنهم يعملون من أجل حزبياتهم وجمعياتهم لأجل حزبياتهم وجمعياتهم - فبحمد لله بارك الله سبحانه وتعالى في دعوة أهل السنة وانتشرت وملأت السهل والجبل وانتشرت من اليمن والفضل لله سبحانه وتعالى -

فقولوا لهم : لا ولا كرامة لن نتعاون معكم ولن نحضر محاضراتكم ولن - أيضا - نحضر اجتمعاتكم ونريد أن نقبل على العلم النافع على صحيح البخاري وصحيح مسلم وفسير ابن كثير ورياض الصالحين وغيرها مثل فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - والله المستعان – "

الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله تعالى -

سئل – حفظه الله : " أحسن الله إليكم يقول السائل سمعت في أحدى القنوات الإسلامية من أحد المفكرين أنه يقول من الحكمة التعاون مع الجماعات الإسلامية ضد العلمانية وغيرهم فهل هذا الكلام صحيح ؟

فأجاب : " لا ؛ ما هو بصحيح ما نتعاون مع أهل الباطل ما نتعاون مع الفرق الضالة أبدا إنما نتعاون مع إخواننا المستقيمين على طاعة الله وعلى المنهج السليم نتعاون معهم أما المنحرفون والضالون والمخالفون لأهل السنة والجماعة فلا نتعاون معهم لأن هذا تعاون على الآثم والعدوان وتبرير لما هم عليه نعم - وبعدين ما ينفعوننا يقولون إلا ما هو على دينك ما يعينك هذا مثل عامي وهو صحيح إلا ما هو على دينك ما يعينك "( 33)


وممّن أنكر هذا الإطلاق في التّعاون أيضا :


- الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى

- الشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى

- الشيخ عبدالمحسن العباد حفظه الله تعالى

- الشيخ ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله تعالى

- الشيخ عبد الله بن الغديان رحمه الله تعالى

- الشيخ صالح اللحيدان حفظه الله تعالى

- الشيخ عبيد الجابري حفظه الله تعالى

وغيرهم من علماء أهل السنّة


الآثار الفاسدة لهذه القاعدة :


من خلال مطالعة فتاوى من سبق من العلماء ، يمكن جمع بعض الآثار الفاسدة ، والمخالفات البيّنة في هذه القاعدة ومنها :

1- قاعدة مبتدعة ومحدثة : ولا شكّ أنّه يلحقها قوله صلى الله عليه وسلّم : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ( 34)

وقوله صلى الله عليه وسلّم : " وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ , وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ " ( 35)

وقوله صلى الله عليه وسلّم : " وشر الأُمور محدثاتها وكل محدثة بدعة "( 36) ، وغيرها من نصوص هذا الباب

2- لم يكن عليها العمل عند السّلف : وفي ذلك خلاف قوله جلّ وعلا : " وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ( النّساء 115 )

وقوله صلّى الله عليه وسلّم : " فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضّوا عليها بالنواجد "(37 )

وقوله صلّى الله عليه وسلّم : " خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه و يمينه شهادته "( 38) ، وغيرها من نصوص هذا الباب

3- فيها حجر للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر : خلافا لقوله تعالى : " وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " ( آل عمران 104 )

وقوله أيضا : " لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ " ( المائدة 79 )

وقوله صلى الله عليه وسلّم : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان "( 39)

وقوله صلى الله عليه وسلّم : " إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع "( 40) ، وغيرها من نصوص هذا الباب .

4- فيها حجر للنّصيحة : خلافا لقوله تعالى إخبارا عن نوح عليه السّلام :" أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ " ( الأعراف 62 )

وقوله تعالى إخبارا عن هود عليه السّلام : " أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ " ( الأعراف 68 )

وقول النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم : " الدِّينُ النَّصِيحَةُ " قُلْنَا : لِمَنْ ؟ قَالَ " للَّه وَلِكِتَابِهِ ولِرسُولِهِ وَلأَئمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ " ( 41)

وعَنْ جرير بْنِ عبدِ اللَّه رضي اللَّه عنه قال : " بَايَعْتُ رَسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَلى : إِقَامِ الصَّلاَةِ ، وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالنُّصْحِ لِكلِّ مُسْلِمٍ " ( 42) ، وغيرها من نصوص هذا الباب

5- اهمال لنصوص التّحذير والهجر والرّدع : كقوله تعالى : " وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " ( الأنعام:68 )

عن أبي عون قال: " كان محمد - يعني ابن سيرين - يرى أن أسرع الناس ردة أهل الأهواء، وكان يرى أن هذه الآية أنزلت فيهم "( 43)

وقوله تعالى : " وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (التوبة 118 )

قال ابن عبد البر: " وفيه دليل على أنه جائز أن يهجر المرءُ أخاهُ إذا بَدَت منه بدعة أو فاحشة يرجو أن يكون هجرانه تأديباً له ، وزجراً عنه "( 44)

وقوله صلّى الله عليه وسلّم: " إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة "( 45)

قال الإمام النووي – رحمه الله - : "وفيه فضيلة مجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والورع والعلم والأدب ، والنهي عن مجالسة أهل الشر وأهل البدع ومن يغتاب الناس أو يكثرُ فجره وباطله ونحو ذلك من الأنواع المذمومة " (46 )

وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا تصاحب إلاَّ مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلاَّ تقي"( 47) ، وغيرها من نصوص هذا الباب

6- اهمال أمر الله عزّ وجل بالرّجوع إلى الله ورسوله حال النّزاع : في قوله تعالى : " فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا " (النساء 59 )

وقوله تعالى : " وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا " ( النساء 83 ) ، وغيرها من نصوص هذا الباب

قَالَ أَبو إسحاق الشَّاطبي - رحمه الله - : " الاختِلاَفُ مَنفيٌ عَنِ الشَّريعَةِ بِإطْلاَقٍ، لأَنَّهَا الْحَاكِمَةُ بَينَ الْمُخْتَلفِينَ لِقَولهِ تَعَالى: " فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ " ، إِذْ رَدَّ التَّنازُعَ إِلى الشَّريعةِ، فَلَوُ كَانَتِ الشَّريعةُ تَقتَضِي الْخِلافَ لَمْ يَكُنْ فِي الرَّدِّ إِليهَا فَائِدَةٌ "( 48)

قَالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّة -رحمه الله-: " وَإِذَا تَدَبَّرْت كِتَابَ اللَّهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَفْصِلُ النِّزَاعَ بَينَ مَنْ يَحْسُنُ الرَّدَّ إلَيْهِ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَهْتَدِ إلَى ذَلِكَ؛ فَهُوَ إمَّا لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ فَيُعْذَرَ، أَوْ لِتَفْرِيطِهِ فَيُلَامَ "( 49)

7- اهمال للنّصوص الدّاعية إلى الاجتماع والنّاهية عن الاختلاف : كقوله تعالى " وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ " ( آل عمران: 103 )

وقوله تعالى : " وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ " (الأنفال: 46 )

وقوله صلى الله عليه وسلم : " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم "( 50)

وقوله صلّى الله عليه وسلّم : " اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذ اختلفتم فيه فقوموا "(51 ) ، وغيرها من نصوص هذا الباب

8- إقرار الباطل والعذر عليه بغير سبب للعذر : خلافا لقوله تعالى : " فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ " ( التوبة : 96 )

وقوله صلّى الله عليه وسلّم : " فمن كره فقد برئ " وقوله صلّى الله عليه وسلّم : " ولكن من رضي وتابع " ( 52) ، وغيرها من نصوص هذا الباب

9- إلغاء نصوص وقواعد الولاء والبراء : كقوله تعالى : " وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " (التوبة: 71 )

وقوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ " (الممتحنة : 1 )

وقوله صلّى الله عليه وسلّم " الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ "( 53)

وقوله عليه الصلاة والسلام: " الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ " ( 54) ، وغيرها من نصوص هذا الباب

10- إلغاء تميّز الحقّ وأهله وتلبيس الحقّ بالباطل : خلافا لقوله تعالى : " وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ " ( البقرة 42 )

وقوله تعالى : " يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون " ( آل عمران 71 )

فعن أبي العالية قال : " ولا تلبِسُوا الحقّ بالباطل ": لا تخلطوا الحق بالباطل، وأدُّوا النصيحةَ لعباد الله في أمر محمد صلى الله عليه وسلم "( 55)

قال مجاهد: " ولا تلبسوا الحق بالباطل "، اليهوديةَ والنصرانية بالإسلام " ( 56)

وحديث أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب فقرأه فغضب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " أمتهوّكون فيها يا بن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني " ( 57) ، وغيرها من نصوص هذا الباب

11- تسوية المحقّ بالمبطل ، والخطأ بالصّواب : خلافا ومحادة لقوله تعالى : " أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ ( السجدة 18)

وقوله تعالى : "وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ ( فاطر 19-22 )

وقوله تعالى : " قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (المائدة 100 )

قال ابن جرير : " يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قل يا محمد: لا يعتدل الرديء والجيد, والصالح والطالح, والمطيع والعاصي "( 58) ، وغيرها من نصوص هذا الباب

12- التهوين من الأخطاء والمخالفات ، وإن كانت تصل إلى الشرك أحيانا : والله عزّ وجلّ يقول : " وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ( النور15 )

و النبي - صلى الله عليه وسلم - -يقول " يَا عَائِشَةُ إِيَّاكِ وَمُحَقِّرَات الذُّنُوبِ فَإِنَّ لَهَا مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ طَالِبًا "( 59)

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَات الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ "(60 )

وعن أنس - رضى الله عنه - التابعين بقوله " إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنْ الشَّعَرِ إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ الْمُوبِقَاتِ" ( 61) ، وغيرها من نصوص هذا الباب

13- زيادة الخلاف : فكلّما توسّع أهل السنّة في العذر ، وتركوا النّصح والإنكار ، توسّع أهل الزّيغ في المخالفة ، وهذا واضح بيّن : والله عزّ وجلّ يقول " : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ " ( الأنفال : 46 )

ويقول سبحانه : " وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( آل عمران :105 )

والنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول : " وإن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا له شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال "( 62)

وقول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ " ( 63) ، وغيرها من نصوص هذا الباب

14- فيها تغرير للجهّال بحال المبتدع وغشّ لهم : والله عزّ وجلّ يقول : " وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ " ( آل عمران187 )

وقوله تعالى " يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (المائدة 67 )

والنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول : " من غشنا فليس منّا "( 64)

قَالَ الْخَطَّابِيّ : مَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَى سِيرَتنَا وَمَذْهَبنَا , يُرِيد أَنَّ مَنْ غَشَّ أَخَاهُ وَتَرَكَ مُنَاصَحَته ، فَإِنَّهُ قَدْ تَرَكَ اِتِّبَاعِي وَالتَّمَسُّك بِسُنَّتِي " ( 65)

وقوله عليه الصّلاة والسّلام : " ما من عبد يسترعيه الله رعية ، فلم يُحطها بِنُصْحِه إلاّ لَم يَجِد رائحة الجنة "( 66)

قالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : " مَعْنَاهُ بَيِّن فِي التَّحْذِير مِنْ غِشّ الْمُسْلِمِينَ لِمَنْ قَلَّدَهُ اللَّه تَعَالَى شَيْئًا مِنْ أَمْرهمْ ، وَاسْتَرْعَاهُ عَلَيْهِمْ ، وَنَصَبَهُ لِمَصْلَحَتِهِمْ فِي دِينهمْ أَوْ دُنْيَاهُمْ ، فَإِذَا خَانَ فِيمَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْصَح فِيمَا قُلِّدَهُ ؛ إِمَّا بِتَضْيِيعِهِ تَعْرِيفهمْ مَا يَلْزَمهُمْ مِنْ دِينهمْ ، وَأَخْذهمْ بِهِ ، وَإِمَّا بِالْقِيَامِ بِمَا يَتَعَيَّن عَلَيْهِ مِنْ حِفْظ شَرَائِعهمْ ، وَالذَّبّ عَنْهَا لِكُلِّ مُتَصَدٍّ لإِدْخَالِ دَاخِلَة فِيهَا أَوْ تَحْرِيف لِمَعَانِيهَا ، أَوْ إِهْمَال حُدُودهمْ ، أَوْ تَضْيِيع حُقُوقهمْ ، أَوْ تَرْك حِمَايَة حَوْزَتهمْ ، وَمُجَاهَدَة عَدُوّهِمْ ، أَوْ تَرْك سِيرَة الْعَدْل فِيهِمْ ، فَقَدْ غَشَّهُمْ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ نَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِر الْمُوبِقَة الْمُبْعِدَة عَنْ الْجَنَّة " ( 67) ، وغيرها من نصوص هذا الباب

*- ولهذه البدعة آثار سيئة أخرى كثيرة كتشويه الإسلام وتسويد صورته بالبدع والمحدثات ، وفتح باب العذر للملاحدة والمشركين وغيرهم ، وإرجاء الأحكام الّذي هو أصل بدعة الإرجاء .... وغيرها .


..... يتبع

ــــــــــــــــــــــــــــــ

29 - (مجموع الفتاوى والمقالات : 3/58 )
30 - ( مجلة الفرقان الكويتية : العدد 77)
31 - ( الصحوة الإسلامية : ضوابط وتوجيهات: 1/218 )
32 - ( مجموع فتاوى اللّجنة الدائمة 2/42 )
33- ( الموقع الرسمي للشّيخ صالح الفوزان – حفظه الله - )
34- رواه البخاري(2697 ) ،ومسلم ( 1718 )
35- رواهُ أبو داوُدَ (4607) والتِّرمِذِيُّ (2676)، وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ ،وابن ماجة (42) وصحّحه الألباني
36- رواه مسلم (867)
37 - جزء من حديث العرباض بن سارية ، وقد سبق تخريجه
38- رواه البخاري (3651) ، ومسلم (2533)
39- رواه مسلم (175)
40- رواه مسلم (1854)
41- رواه مسلم (55)
42- رواه البخاري (2566) ، ومسلم (56)
43- أخرجه ابن بطة في الإبانة الكُبرى (2/431)
44- "التمهيد" (6/118)
45- رواه البخاري (9/569) ، ومسلم (2628)
46-: "شرح مسلم" ( 16 / 178 )
47- رواه أبو داود (4832) ، والترمذي رقم(2395)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي
48- الاعتصام للشاطبي (2/249)
49- : مجموع الفتاوى لابن تيمية (34/63)
50-رواه البخاري (7288) ومسلم (1337)
51- رواه البخاري (5060) ومسلم (2667)
52- رواه مسلم (1854)
53- أخرجه البخاري (5819)، ومسلم (2639)
54- أخرجه أبو داود (4833)، والترمذي (2378) وقال: حسن غريب. وحسنه الألباني في الصحيحة 927
55- تفسير ابن جرير ( البقرة آية 42 )
56- المصدر نفسه
57- رواه أحمد (3/387) عن جابر بن عبد الله، وحسنه الألباني في الإرواء (1589)
58 -تفسير ابن جرير ( المائدة آية 100 )
59- رواه الإمام أحمد (24651) وصححه ابن حبان (5568)
60- رواه الإمام أحمد (22302) وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (11/329)
61- رواه البخاري (6492)
62- رواه مسلم ( 1715 )
63- رواه البخاري (121)مسلم ( 66)
64- رواه مسلم ( 146 )
65- معالم السّنن ( 3/118 )
66- رواه البخاري ( 6731 )
67- نقله النووي في شرحه على مسلم ( 1/325 )