إذ قد تواتر عنه (أي: علي بن أبي طالب) من الوجوه الكثيرة أنه قال على منبر الكوفة وقد أسمع من حضر: خيرُ هذه الأمَّة بعد نبيِّها أبو بكرٍ ثمَّ عمر، وبذلك أجاب ابنه محمَّد بن الحنفية، فيما رواه البخاري في صحيحه وغيره من علماء الملَّة الحنيفية، ولهذا كانت الشيعة المتقدِّمون الذين صحبوا عليًّا أو كانوا في ذلك الزمان، لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكرٍ وعمر، وإنما كان نزاعهم في تفضيل عليٍّ وعثمان، وهذا مما يعترف به علماء الشيعة الأكابر من الأوائل والأواخر، حتى ذكر مثْلَ ذلك أبو القاسم البلخي. قال: سأل سائلٌ شريك بن عبد الله بن أبي نمر، فقال له: أيُّهما أفضل: أبو بكرٍ أو علي؟ فقال له: أبو بكر، فقال له السائل: أتقول هذا، وأنت من الشيعة؟ فقال: نعم إنما الشيعي من قال مثل هذا، والله لقد رَقِيَ عليٌّ هذه الأعواد، فقال: ألا إنَّ خير هذه الأمَّة بعد نبيِّها أبو بكرٍ ثمَّ عمر، أفكنَّا نردُّ قولَه؟ أكنَّا نكذِّبه؟ والله ما كان كذَّابًا! ذكر هذا أبو القاسم البلخي في النقض على ابن الراوندي اعتراضَه على الجاحظ. نقله عنه القاضي عبد الجبَّار الهمداني في كتاب «تثبيت النبوَّة».

[«منهاج السنَّة» لابن تيمية (1/ 11)]