الحديث: “ اختلاف أمتي رحمة “ .

قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ( 1 / 141 ) : لا أصل له .و لقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا , حتى قال السيوطي في “ الجامع الصغير “ : و لعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا ! .و هذا بعيد عندي , إذ يلزم منه أنه ضاع على الأمة بعض أحاديثه صلى الله عليه وسلم , و هذا مما لا يليق بمسلم اعتقاده .و نقل المناوي عن السبكي أنه قال : و ليس بمعروف عند المحدثين , و لم أقف له على سند صحيح و لا ضعيف و لا موضوع .

و أقره الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقه على “ تفسير البيضاوي “ ( ق 92 / 2 ) . ثم إن معنى هذا الحديث مستنكر عند المحققين من العلماء ,

فقال العلامة ابن حزم في “ الإحكام في أصول الأحكام “ ( 5 / 64 ) بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث : و هذا من أفسد قول يكون , لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا , و هذا ما لا يقوله مسلم , لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف , و ليس إلا رحمة أو سخط . و قال في مكان آخر : باطل مكذوب , كما سيأتي في كلامه المذكور عند الحديث ( 61 ) . و إن من آثار هذا الحديث السيئة أن كثيرا من المسلمين يقرون بسببه الاختلاف الشديد الواقع بين المذاهب الأربعة , و لا يحاولون أبدا الرجوع بها إلى الكتاب و السنة الصحيحة , كما أمرهم بذلك أئمتهم رضي الله عنهم , بل إن أولئك ليرون مذاهب هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم إنما هي كشرائع متعددة ! يقولون هذا مع علمهم بما بينها من اختلاف و تعارض لا يمكن التوفيق بينها إلا برد بعضها المخالف للدليل , و قبول البعض الآخر الموافق له , و هذا ما لا يفعلون ! و بذلك فقد نسبوا إلى الشريعة التناقض ! و هو وحده دليل على أنه ليس من الله عز وجل لو كانوا يتأملون قوله تعالى في حق القرآن : *( و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا )* فالآية صريحة في أن الاختلاف ليس من الله , فكيف يصح إذن جعله شريعة متبعة , و رحمة منزلة ? .

و بسبب هذا الحديث و نحوه ظل أكثر المسلمين بعد الأئمة الأربعة إلى اليوم مختلفين في كثير من المسائل الاعتقادية و العملية , و لو أنهم كانوا يرون أن الخلاف شر كما قال ابن مسعود و غيره رضي الله عنهم و دلت على ذمه الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية الكثيرة , لسعوا إلى الاتفاق , و لأمكنهم ذلك في أكثر هذه المسائل بما نصب الله تعالى عليها من الأدلة التي يعرف بها الصواب من الخطأ , و الحق من الباطل , ثم عذر بعضهم بعضا فيما قد يختلفون فيه , و لكن لماذا هذا السعي و هم يرون أن الاختلاف رحمة , و أن المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة ! و إن شئت أن ترى أثر هذا الاختلاف و الإصرار عليه , فانظر إلى كثير من المساجد , تجد فيها أربعة محاريب يصلى فيها أربعة من الأئمة ! و لكل منهم جماعة ينتظرون الصلاة مع إمامهم كأنهم أصحاب أديان مختلفة ! و كيف لا و عالمهم يقول : إن مذاهبهم كشرائع متعددة ! يفعلون ذلك و هم يعلمون قوله صلى الله عليه وسلم : “ إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة “ رواه مسلم و غيره , و لكنهم يستجيزون مخالفة هذا الحديث و غيره محافظة منهم على المذهب كأن المذهب معظم عندهم و محفوظ أكثر من أحاديثه عليه الصلاة و السلام ! و جملة القول أن الاختلاف مذموم في الشريعة , فالواجب محاولة التخلص منه ما أمكن , لأنه من أسباب ضعف الأمة كما قال تعالى : *( و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم )* , أما الرضا به و تسميته رحمة فخلاف الآيات الكريمة المصرحة بذمه , و لا مستند له إلا هذا الحديث الذي لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . و هنا قد يرد سؤال و هو : إن الصحابة قد اختلفوا و هم أفاضل الناس , أفيلحقهم الذم المذكور ? .

و قد أجاب عنه ابن حزم رحمه الله تعالى فقال ( 5 / 67 - 68 ) : كلا ما يلحق أولئك شيء من هذا , لأن كل امرئ منهم تحرى سبيل الله , و وجهته الحق , فالمخطئ منهم مأجور أجرا واحدا لنيته الجميلة في إرادة الخير , و قد رفع عنهم الإثم في خطئهم لأنهم لم يتعمدوه و لا قصدوه و لا استهانوا بطلبهم , و المصيب منهم مأجور أجرين , و هكذا كل مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من الدين و لم يبلغه , و إنما الذم المذكور و الوعيد المنصوص , لمن ترك التعلق بحبل الله تعالى و هو القرآن , و كلام النبي صلى الله عليه وسلم بعد بلوغ النص إليه و قيام الحجة به عليه , و تعلق بفلان و فلان , مقلدا عامدا للاختلاف , داعيا إلى عصبية و حمية الجاهلية , قاصدا للفرقة , متحريا في دعواه برد القرآن و السنة إليها , فإن وافقها النص أخذ به , و إن خالفها تعلق بجاهليته , و ترك القرآن و كلام النبي صلى الله عليه وسلم , فهؤلاء هم المختلفون المذمومون . و طبقة أخرى و هم قوم بلغت بهم رقة الدين و قلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل , فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كل عالم , مقلدين له غير طالبين ما أوجبه النص عن الله و عن رسوله صلى الله عليه وسلم . و يشير في آخر كلامه إلى “ التلفيق “ المعروف عند الفقهاء , و هو أخذ قول العالم بدون دليل , و إنما اتباعا للهوى أو الرخص , و قد اختلفوا في جوازه , و الحق تحريمه لوجوه لا مجال الآن لبيانها , و تجويزه مستوحى من هذا الحديث و عليه استند من قال : “ من قلد عالما لقي الله سالما “ !

و كل هذا من آثار الأحاديث الضعيفة , فكن في حذر منها إن كنت ترجو النجاة *( يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم )* .


المجلد: السلسلة الضعيفة

رقم الحديث: 57