قصة عقبة بن نافع

فاتح تونس والقيروان


تمثل مدينة القيروان بتونس صفحة من صفحات الحضارة الإسلامية التي تستحق العناية والدراسة، والحق أن أبناء إفريقية - وهذا هو الاسم الذي كان يطلق على تونس حتى العصر الحديث - لم يقصروا في العناية بحضارة هذه المدينة وتاريخها.


بيد أن ضرورة ربط المشرق بالمغرب الإسلاميين توجب علينا - نحن أبناء المشرق - التعرف على هذه الصفحات التي تمثل - شرّقت أو غرَّبت - صفحة من كتاب حضارتنا الإسلامية الخصبة المعطاءة.


وقد بنيت القيروان - اسمها يعني معسكر الجند - سنة خمسين هجرية، واستمرَّ بناؤها مدة خمس سنوات، وكان ذلك على يد القائد المسلم عقبة بن نافع أثناء ولايته ا لأولى على أفريقية، حين رأى عقبة بثاقب بصره أن (عدم الثبات) الذي يمتاز به فتح المسلمين للمغرب، يرجع إلى أنهم يفتقدون (قاعدة) متقدمة، يستطيعون الاعتماد عليها أثناء امتدادهم في أعماق إفريقية والمغرب.. وعلى هذا الأساس وانطلاقاً من هذا التخطيط اختطَّ عقبة مدينة القيروان في موقع يناسب الوظيفة الحضارية التي شيدت من أجلها، فجاءت القيروان بعيدة عن الساحل خوفاً من غارات البيزنطيين، وبعيدة عن أعماق المغرب بنجوده وصحاريه خوفاً من غارات البربر.


وكان عقبة بن نافع يعرف المنطقة معرفة جيدة، فقد عاش وقاتل وتنقل وقاد البعوث، واتصل بالناس، الأصدقاء منهم والخصوم، كان يدرك أن القتال في شمال إفريقية لا يمكن أن يعتمد على قاعدة أساسها مصر أو حتى برقة، إذ تصبح عندها خطوط المواصلات طويلة، ويتعذر على عقبة أو غيره من القواد أن يزودوا بحاجاتهم من الرجال والمال والمؤن، وأدرك عقبة بثاقب نظره أن قاعدة القتال يجب أن تنقل إلى الأراضي الإفريقية، لكن عقبة كان يعرف أن الدولة الإسلامية الجديدة لم تكن دولة بحرية بالدرجة الأولى مع أن المسلمين هزموا الروم (بحرياً) في موقعة ذات الصواري قبل بناء القيروان، لكن مع ذلك كان الروم وهم أصحاب أسطول كبير يستطيعون دوماً إزعاج البحرية الإسلامية، ومن هنا نجد عقبة بن نافع يختار مدينة القيروان ليقيم فيه قاعدة حربية وفق الشروط التخطيطية التي ذكرناها، ثم يقوم عقبة بتمصير هذه المدينة العظيمة التي لا تزال قائمة إلى الآن[1].


ونحن عندما ندرس موقع هذه المدينة حالياً، ونعود إلى شيء من تاريخ أسلافها قبل إنشاء عقبة لها، يمكننا أن نلاحظ الأمور التالية بشأنها:


1- إنها تقوم في مركز تقاطع خطوط وطرق من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب.


2- إنها تقع في مكان خصب وفيه ماء، حتى لقد جاء في ابن عبد الحكم عند ذكرها أنها كانت "وادياً كثير الشجر تأوي إليه السباع والوحوش والهوام" ولعل هذا كان على مقربة منها.


3- إن هذه المنطقة، على ما يحدثنا الجغرافيون العرب، كانت كثيرة الأمصار والقلاع والحصون أيام البيزنطيين، ولعل حصن قمونية أهمل فتخرب، لكن ذلك لم يحجب عقبة عن معرفة قيمتها في التخطيط العسكري والرؤية الحضارية.


لقد كان اختيار موقع القيروان موفقاً بل بلغ من التوفيق في اختياره أن ولاة المغرب ومن خلفهم من الحكام المستقلين أقاموا بها زمناً طويلاً، ولم ينتقلوا عنها إلا حينما اضطرتهم ظروف سياسية جديدة إلى ذلك، كما كان موقعها الحربي معروفاً ملحوظ الأهمية، إذْ كان الحاكم الذي يتخذ هذا الموضع مركزاً لأعماله يستطيع أن يرى العدو من بعيد ويتحرز من الغارات المفاجئة الكثيرة الحدود عند البربر.


وإذا أراد أن يطاردهم إلى هضابهم وجد الطرق مفتحة أمامه، إذا كان يستطيع بعد مسير بضع ساعات الوصول إلى أعالي الهضاب إذا كانت لديه القوة الكافية لذلك، كذلك كان فرسانه الخفاف قديرين على أن يقوموا بهذا الموضوع من أعمال الاستطلاع وبالغارات السريعة والحراسة الدائمة[2]، وعلى نسق (المدينة الإسلامية) التي لا بد أن يتحقق لها إطار الهندسة الإسلامية، في مرافقها العامة الأساسية التي تميزها عن بقية مدن العالم.. على هذا النسق المستمد من طبيعة الحضارة الإسلامية التي كانت مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام نموذجها الأول - اختط عقبة فور شروعه في بناء القيروان المسجد الجامع، ثم دار الإمارة، ثم بيوت الجند، ثم دار القضاء، وما إلى ذلك من مرافق أساسية.


وحقيقة أن القيروان تطورت ونمت فيما بعد، لكن عقبة أنفق الكثير من المال والوقت، فقد أرادها أن يكون فيها عسكر المسلمين وأهلهم وأموالهم في مأمن من ثورة أو انقضاض، وقد بقى أثر تخطيط عقبة للقيروان مستمراً في تاريخها كله، وهذا لا يعني إغفالاً للجهود التي بذلت في عصور القيروان التالية، وبخاصة في ذلك العصر الذي تألقت فيه، وأصبحت حاضرة العلم والثقافة الأولى في المغرب الإسلامي كله، وهو عصر بني زيري الذين ورثوا الفاطميين بعد أن نزحوا إلى مصر سنة 360هـ.


وقد استطاع أحد الأمراء من بني زيري، وهو المعز بن باديس الذي حكم تونس على امتداد النصف الأول للقرن الخامس الهجري كله تقريباً، استطاع هذا الأمير أن يعيد المذهب السني إلى مكانته، ويقضي على البدع والخرافات التي خلفها الفاطميون، وتحولت القيروان في عهده إلى مدينة من المدن الكبرى التي يؤمها العلماء والشعراء والنبغاء، والتي يجد فيها كل هؤلاء الأمن والرعاية والتشجيع، على غرار دمشق وبغداد والقاهرة وبجاية وقرطبة وإشبيلية وغيرها من الحواضر الكبرى في ذلك العصر.


وقد ظل حالها كذلك حتى دهمتها قبائل بني هلال وبني رياح وبني سليم بتشجيع من المستنصر الفاطمي سنة 439 هـ فانطوت - لفترة قصيرة - صفحة القيروان في الحضارة الإسلامية، إلى أن عادت - مرة أخرى - تؤدي دورها كواحدة من المدن الإسلامية ذات التاريخ الطويل والعطاء الحضاري الخصب.


لقد قام المسجد الجامع المعروف عند التونسيين باسم (الجامع الأعظم) والمنسوب إلى الصحابي الجليل عقبة بن نافع بدور أساسي في تحضير القيروان أيام مجدها، ولا زال، وقد انضم إليه جامع الزيتونة الذي بنى سنة (91 هـ) على يد «إسماعيل بن عبيد الأنصاري» وقد انتشرت في القيروان المسجد ذات الوظيفة التعليمية كما انتشرت المدارس والكتاتيب، وقد اشتهر من العلماء والفقهاء في عصر القيروان الزاهر أبو عمران الفاسي المتوفى سنة 430 هـ كما اشتهر أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الخولاني المتوفى سنة 435 هـ والشيخ (أبو علي حسن بن خلدون البلوي)، والشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن محمد الطرابلسي وعبد الرزاق القيرواني النحوي، وأبو جعفر القزاز القيرواني النحوي، وعلي بن عبد الجبار سلامة بن عيذون الهذلي اللغوي، وعبد العزيز بن محمد القرعي الطارقي الأديب، وابن زنجي الكاتب، وعبد الكريم النهشلي كاتب المعز بن باديس، وتلميذه المعروف ابن رشيق صاحب العمدة.


وثمة مئات غير هؤلاء في سائر المجالات ممن لا يمكن حصرهم، ظهروا في حياة القيروان، وكانوا دررها اللامعة، الذين جعلوا صفحتها في تاريخنا الإسلامي واحدة من أروع الصفحات، ونموذجاً من أقوى الدلائل على عمق إسهام (المدينة) المغرب الإسلامية في حضارتنا الطيبة الخصبة.


[1] صفحات مغربية نقولاً زيادة ص 20.


[2] المكان السابق.