هل ترفع الأعمال إلى الله يوم عرفة تخصيصًا؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مزيدا إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإنه من فضل الله على العباد أن هيأ لهم مواسم وأياما يبارك فيهن العمل، ويضاعف الأجر، وبهذا يحرص المسلم على استغلال مثل هذه الفرص الثمينة التي سخرها الله لعباده، وجعلها بلغة للعابد، ومنحة للغافل، وتذكيرا لمن يريد، خاصة وأنه سبحانه قد تكلف بإظهارها وإبانتها، ثم إقامة الحجة على عباده بها، عبر أولئك المتبعين للمنهج النبوي، المرشدين إلى الإرث المحمدي المؤيد به من ربه، وهو القول الحق، وسبيل الصدق وطريق النجاة.


    إن السلامة كل السلامة أن يكون المكلّف فيما يتقرب به إلى الله متبصّرًا، مستنيرًا بالحجة، والدليل الصحيح، ليسلم من الفتن، وينجو من الشبهات، فيكون عابدا لربه على بصيرة، ونور؛ فإن العمل لا يقبل عند الله حتى يكون خالصًا صوابًا، خالصًا دون رياء، صوابًا على السنة، والهدى.

    وإن رأيت أقواما يكثرون من العبادة بغية التقرب إلى الله فلا تقطع لأحدهم بحسن ظنّ حتى تعلم أنه على سنة، وأن عبادته صحيحة مكانًا وزمانًا واتباعا، فكم من مريد للخير لا يبلغه!.


    ومن المعلوم الذي يجب أن يتعلمه العوام وأن ينتشر في أرجائهم هو: أن العبادات توقيفية، لا تثبت إلا بدليل من الشارع، لأنه لا يقبل الله عملا إلا كما أراده وقضاه وشرعه، وليس كما يفهم بعض العوام أن ما كان من قبيل كثرة الذكر والدعاء فيما ورد الشرع بالتقييد فيه والتحديد أنه لا بأس به، وهذا مما هو على أقل شأنه مخالفة للسنة، إلى أن يصير بدعة منكرة.

    فلو أنك رأيت إنسانًا يصلي صلاة الفجر أربع ركعات، فإنك –وبلا شك، فطرةً- سوف تنكر عليه أشد الإنكار، لأن صلاة الفجر ركعتان، وهو جعلها أربعًا، ولكنه قد يقول لك: سأزيد لله حتى يرضى عني، وستقول له: إن هذا مما لا ينبغي..

    وهكذا من يصلي ويكثر الصلاة في أوقات النهي، فلا يُبارك على خلافه وعمله، وقف معي مع هذا الأثر البديع الذي أخرجه عبد الرزاق في مصنفه: أن سعيد بن المسيب -- رأى رجلاً يكرر الركوع بعد طلوع الفجر فنهاه.

    فقال: يا أبا محمد، أيعذبني الله على الصلاة؟قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة". مع العلم أنه أراد الصلاة.


    وللعلامة الألباني على هذا الأثر تعليقٌ جدير بذكره هنا؛ قال في (الإرواء): وهذا من بدائع أجوبة سعيد بن المسيب تعالى، وهو سلاح قوي على المبتدعة الذين يستحسنون كثيرا من البدع باسم أنها ذكر وصلاة، ثم ينكرون على أهل السنة إنكار ذلك عليهم ويتهمونهم بأنهم ينكرون الذكر والصلاة!! وهم في الحقيقة إنما ينكرون خلافهم للسنة في الذكر والصلاة ونحو ذلك اهـ.

    كما لو علمت أحدًا يقرأ أذكار الركوع في القيام، والتحيات في الركوع، وأمثال ذلك لأنكرت عليه، بحجة المخالفة، وهكذا من أذّن لصلاة العيد، أو قرأ البسملة قبل الأذان ، كل هذا مما ينكر عليه لأنه فعل أمرًا غير مشروع، مع أنه يريد بذلك الأجر والحسنات. وهذا هو الذي يقرر أن العبادات توقيفية لا تثبت إلا بدليل من الشارع الحكيم.

    بعد هذا التقديم فأنتم تعلمون أننا مقبلون على أيامٍ فاضلة ، والعمل الصالح أحب إلى الله فيها من أي أيام أخرى؛ ألا وهي العشر من ذي الحجة، ونصرةً للسنة فإني أريد التنبيه على قضية مهمة جدًّا رأيتها في العام الماضي انتشرت، ثم نُسّيتها، حتى فوجئت بأنها قد تكررت هذا العام مرة أخرى عن طريق رسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، وهي رسالة تتحدث عن دعوة للمسامحة في بداية دخول عشر ذي الحجة، وأن الأعمال ترفع إلى الله في يوم عرفة، ما عدا المتخاصمين.

    والجواب عنها كالتالي:

    - لم يرد في النصوص الشرعية تخصيص الدعوة للمسامحة في مثل هذه الأيام، كما لم يأت ذلك عن السلف الصالح ، ومن المعلوم أن الدعوة للمسامحة وتصفية القلوب من الضغائن أمر تعبدي يقصد به حصول الأجر، ورفع الوزر، فالمسألة عبادة، وقدمنا أن العبادات توقيفية لا تثبت إلا بدليل، في حين أنه لم يرد عن السلف الصالح من فعلهم اعتبار يقرر مثل هذه الدعوى.

    - ترفع الأعمال إلى الله في أيام وأسابيع ومواسم مما ورد إلينا من النصوص الشرعية، فقد ورد أنها ترفع كل يوم ؛ كما قرره النووي وابن حجر والمناوي وغيرهم ، وأنه يُرفَع إليه عملُ النهار في أول الليل الذي بعده، وعملُ الليل في أول النهار الذي بعده؛ اعتمادا على الحديث الذي في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري - - قال: "قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخمس كلمات، فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِض القسط ويَرْفَعه، يُرفَع إليه عملُ الليل قبل النهار، وعملُ النهار قبل الليل..." الحديث.

    قال النووي : الْمَلائِكَة الْحَفَظَة يَصْعَدُونَ بِأَعْمَالِ اللَّيْل بَعْد اِنْقِضَائِهِ فِي أَوَّل النَّهَار، وَيَصْعَدُونَ بِأَعْمَالِ النَّهَار بَعْد اِنْقِضَائِهِ فِي أَوَّل اللَّيْل . اهـ

    - ومنها أنها ترفع كل اثنين وخميس؛ لما أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ، قال: قال رسول الله - – "تُعرَض أعمال الناس في كلِّ جمعةٍ مرتين، يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفَر لكل عبد مؤمن، إلا عبدًا بينه وبين أخيه شَحْنَاء، فيقال: اتركوا - أو ارْكُوا - هذين حتى يَفِيئا".


    - ومنها أن أعمال كل عامٍ تُرفَع إلى الله في شهر شعبانَ جملة واحدة؛ لما أخرج النسائي بسند حسن -وحسنه الألباني في صحيح الجامع- من حديث أسامة بن زيد قال: قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ"، فقال: "ذلك شهرٌ يَغفُل الناس عنه بين رجبٍ ورمضانَ، وهو شهرٌ تُرفَع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأُحِبُّ أن يُرفَع عملي وأنا صائم"


    - ولكنه لم يرد –حسب بحثي واطلاعي واستشارتي- حديث صحيح ولا ضعيف ينصّ على أن الأعمال ترفع إلى الله في يوم عرفة إلا للمتخاصمين، ولعله من وضع المتأخرين جدًّا من المعاصرين، وأثر الصنعة واللكنة فيه واضحة التزوير للحديث الحسن الوارد في ليلة النصف من شعبان ، وهو قوله : « يطلع الله على خلقه في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن" والحديث جاء عن معاذ وأبي ثعلبة الخشني وأخرين، وقد خرجه البيهقي والطبراني وغيرهما، كما هو مصنوع أيضا من حديث أبي هريرة في رفع الأعمال يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع.

    - وعلى ذلك فإن دعوى القول بأن يوم عرفة تحديدًا يوم ترفع فيه الأعمال إلى الله، تخصيص غير صحيح، عارٍ عن الأدلة، نشره الوضاعون ومحبو البدع والمحدثات، وجهلة الساحات الذين أفسدوا في المجتمع أيما إفساد، فيجب على من علم ذلك، محاربة البدع، والدفاع عن السنة، والدعوة إلى تنقيتها من شوائب المخرفين، وخزعبلات المبطلين، آملا في إخوتي الكرام نشر ذلك بأوسع طاقة، بغية الحق، وخدمة للسنة النبوية الصحيحة، ودعوة إلى الله .


    - هذا لا يعني أننا ننكر فضل يوم عرفة، فهو يوم له فضائله الواردة؛ فهو يوم عظيم من أيام عشر ذي الحجة من الأيام التي العمل الصالح أحب إلى الله منها عن غيرها، وهو من الليالي العشر التي أقسم الله بها في سورة الفجر، على قول جماهير المفسرين، وهو أحد الأيام المعلومات التي أثنى الله عليها في كتابه، وهو يوم أكمل الله فيه الملة والدين، وهو عيدُ أهل الموقف، وقد حث الشارع على صيامه وأن صيامه يكفر السنة الماضية، والسنة القابلة، "وخير الدعاء دعاء يوم عرفة"، "وأن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء"، وخصص بالتكبير، كما أن "الحج عرفة" ، وغير ذلك من مزاياه وخصائصه، والمقصود هنا –فقط- التنبيه على عدم ورود الشرع بتخصيصه بالدعوة إلى التسامح، -وهذا قد تُتسامح فيه-، وكذلك عدم ورود دليل يدل على أن الأعمال ترفع إلى الله تخصيصًا لهذا اليوم الفضيل.


    والله من وراء القصد.

    وكتب:

    صالح بن عبد الله صالح البيضاني

    الاثنين

    30/ ذو القعدة/ 1436هـ

    اليمن -لودر