الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن معلا اللويحق

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، والقائمين بالقسط من الناس، أما بعد:


لم ترق الصلاة في شريعة من الشرائع كما ارتقت في الإسلام، ولم يحفل دين سماوي بالصلاة كما حفل بها الإسلام، ولم تتخذ الصلاة في دين من الأديان من أوامر وشرائع الاستعداد لها، والتهيؤ لاستقبالها، وتصحيح النية لمواجهاتها، كما اتخذت في الإسلام.


 


ولم تكثر الأوامر التي تؤكد على إقامة الصلاة في دين سماوي كما كثرت في الإسلام.


 


ولا نجد عبادة تلزم الإنسان كالصلاة فهي ملازمة له حال صحته، ومرضه، حال أمنه وخوفه، حال سفره وحضره، ملزم بها قائماً، أو قاعداً، أو مضجعاً، أو مستلقياً.


 


ولا عقوبة لمن ينكر الصلاة أو يتركها عمداً عند جمهور العلماء إلا القتل، كفراً، أو حداً على خلاف بينهم.


 


إن الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين قال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَابُوا ﴾ أي: عن الكفر- ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 11].


 


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" البخاري.


 


ورسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: " إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله عز وجل، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم... " مسلم.


 


وهي من أجل وأهم مباني الدين بعد التوحيد، ومحلها في الدين محل الرأس من الجسد، فكما أن لا حياة لجسد بلا رأس، كذلك لا دين لمن لا صلاة له.


 


وأدرك السلف الصالح هذه الحقيقة فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى الآفاق: (إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة).


 


ولما دخل المسور بن مخرمة رضي الله عنه على عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعدما طعن وهو مسجى، قال كيف ترونه؟ قالوا: كما ترى، قلت: أيقظوه بالصلاة، فإنكم لن توقظوه، بشيء أفزعَ له من الصلاة، فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين! فقال: ها الله إذاً، ولا حق في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى، وإن جرحه ليثعب - أي: يسيل - دماً.


 


لقد أدركوا قدر الصلاة، وأنها عمود الدين الذي يقوم عليه بنيان الإسلام، ولا يقوم على غيره يقيناً منهم بقوله صلى الله عليه وسلم: " رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ".


 


وهي إيمان، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ [البقرة: 143] (أي صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك ما كان يضيع ثوابها عند الله) [تفسير ابن كثير:1 /193]


قال القرطبي رحمه الله: (فسمى الصلاة إيماناً؛ لاشتمالها على نية، وقول، وعمل) [تفسير القرطبي:2 /157].


 


وقال صلى الله عليه وسلم: " آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله. وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتعطوا من المغنم الخمس... " [البخاري]


 


قال البيهقي رحمه الله: (وليس في العبادات - بعد الإيمان الرافع للكفر - عبادة سماها الله - عز وجل - إيماناً، وسمّى رسول الله صلى الله عليه وسلم تركها كفراً إلا الصلاة "


 


وهي إمام الفرائض كلها فما من عبادة ذكرت إلا، والصلاة أمامها قال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة: 43] ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ [الحج: 77، 78].


 


وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاث أحلف عليهن لا يجعل الله عز وجل من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، فأسهم الإسلام ثلاثة: الصلاة والصوم، والزكاة" رواه أحمد.


 


وهي أس العبادات الجامعة لجميع أجزائها، قال ابن القيم رحمه الله: (لما كانت الصلاة مشتملة على القراءة، والذكر، والدعاء، وهي جامعة لأجزاء العبودية على أتم الوجوه، كانت أفضل من كل من القراءة، والذكر، والدعاء بمفرده؛ لجمعها ذلك كله مع عبودية سائر الأعضاء) [الوابل الصيب:166].


 


وهي أمر الله تعالى نزل بذلك قوله: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: 5] وقال أيضاً: ﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ [إبراهيم: 31].


 


وعن الحارث الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم حدثه أن الله عز وجل أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات يفعل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يفعلوا بهن يوعظ الناس ثم قال: " إن الله أمركم بالصلاة فإذا نصبتم وجوهكم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده حين يصلي له فلا يصرف عنه وجهه حتى يكون العبد هو ينصرف " [صحيح ابن خزيمة].


 


ومن خالف أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فقد ضل ضلالاً بعيدً، وذل وصغر، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 36].


 


وقال صلى الله عليه وسلم:" وجعل الذلّ والصّغار، على من خالف أمري ".


 


والصلاة مقياس الأعمال، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله ففي الحديث: " أول ما يحاسب العبد يوم القيامة الصلاة فإن صلحت صلح سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله " [المقدسي: الأحاديث المختارة:7/145 وقال: حسن لشواهده]


 


فهي المقياس الصحيح، وبها يحكم على دين الرجال، ومكانته في الإسلام، وليس امتياز من خلد التاريخ ذكرهم؛ إلا لامتيازهم عن غيرهم وتفوقهم على أقرانهم في الصلاة ووصولهم فيها إلى أسمى مكان.


 


قال الحسن البصري رحمه الله: (يا ابن آدم! أي شيء يعز عليك من دينك إذا هانت عليك صلاتك ).


 


وهي دعامة كل الشرائع السماوية، فلم يخلو دين منها، ولم تنسخ فيما نسخ منها، إذ لا خير في دين لا صلاة فيه، لذا نجدها عند جميع الرسل.


 


فكان من دعاء إبراهيم عليه السلام: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴾ [إبراهيم: 40].


 


وكان من شأن إسماعيل - عليه السلام - أنه: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ﴾ [مريم: 55].


 


وخاطب الله سبحانه موسى عليه السلام: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ [طه: 14].


 


وطلبت الملائكة من مريم أن تصلي: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [آل عمران: 42، 43].


 


وذكر عيسى - عليه السلام - نعم ربه عليه: ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾ [مريم: 31].


 


كما تضمن ميثاق بني إسرائيل الصلاة قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ [البقرة: 83].


 


وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا ونضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة "[سنن البيهقي الكبرى:4 /238].


 


وهي مقدمة الشعائر الإسلامية التي يحكم بها أن على أن الدار دار إسلام أو دار كفر؛ فعن عصام المزني - رضي الله عنه -قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فقال: " إذا رأيتم مسجداً، أو سمعتم مؤذناً، فلا تقتلوا أحداً " [سنن أبي داود].


 


ويرتفع عن مؤديها حكم الكفر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته "[البخاري ].


 


وهي براءة من النار، ومن النفاق، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى لله أربعين يوماً في جماعة، يدرك التكبيرة الأولى، كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق "[سنن الترمذي ].


 


وهي من شعار الصديقين والشهداء، فعن عمرو بن مرة الجهني - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته، فممن أنا؟ قال: " من الصديقين، والشهداء "[الهيثمي:موارد الظمآن:1 /36].


 


كما أنها ملازمة لكل من اتصف بحق الولاية والحب والنصرة من المؤمنين قال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71].


 


وهي عبادة مشتركة بين الكائنات، فالطير تصلي قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ [النور: 41] فظاهر الآية على أن الطير تسبح وتصلي بكيفية لا يعلمها إلا الله. والملائكة تصلي، قال تعالى: ﴿ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ﴾ [فصلت: 38].


 


وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " نزل جبريل فأمني، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه " يحسب بأصابعه خمس صلوات.[البخاري ]


 


وعن حكيم بن حزام قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه إذ قال لهم" تسمعون ما أسمع؟ " قالوا: ما نسمع من شيء. قال:" إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد، أو قائم " [الطبراني: المعجم الكبير:3 /201].


 


والجن تصلي، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56] قال ابن تيمية -رحمه الله - عن الجن بـ (أنهم مأمورون بأعمال زائدة على التصديق ومنهيون عن أعمال غير التكذيب، فهم مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم، فإنهم ليسوا مماثلي الإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساوياً لما على الإنس في الحد، لكنهم مشاركون الإنس في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم، وهذا ما لم أعلم فيه نزاعا بين المسلمين )[مجموع الفتاوى:4 /233].


 


وهي من أفضل الأعمال، وهي خير موضوع فمن استطاع أن يكثر فليكثر منها، ففي حديث أبي ذر -رضي الله عنه - قال: قلت يا رسول الله الصلاة؟ قال:" خير موضوع، من شاء أقل، ومن شاء أكثر "[مسند أحمد بن حنبل ].


 


وقال صلى الله عليه وسلم: " أفضل الأعمال: الصلاة على وقتها "[مسلم].


 


وقال صلى الله عليه وسلم: " استقيموا، ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن "[سنن ابن ماجة].


 


وهي الطريق إلى دخول الجنة ومرافقة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فعن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: لقيت ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة، أو قال: قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت، ثم سألته، فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة "[مسلم ].


 


وعن ربيعة بن كعب الأسلمي - رضي الله عنه - قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: "سل " فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة! قال: " أو غير ذلك " قلت: هو ذاك. قال: " فأعنى على نفسك بكثرة السجود "[مسلم ].


 


ومن أراد إن يكون قريباً من الله تعالى، فعليه بالصلاة، لذا فهي موضع دعاء ومناجاة من العبد المتذلل بالسجود للخالق.


 


فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء "[ مسلم ].


 


وقال صلى الله عليه وسلم: " إن أحدكم إذا قام في صلاته، فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره، أو تحت قدميه- ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض - فقال: أو يفعل هكذا "[ البخاري ].


 


وقال صلى الله عليه وسلم: " إن المصلي ليقرع باب الملك، وإنه من يدم قرع الباب، يوشك أن يفتح له " [مسند الشهاب].


 


وتحقق الصلاة للمؤمن الراحة النفسية، والطمأنينة الروحية، لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبه أمر صلى، وكان يقول لبلال - رضي الله عنه -: " يا بلال! أقم الصلاة، أرحنا بها ".


 


وكانت قرة عين للنبي صلى الله عليه وسلم حين قال: " وجعلت قرة عيني في الصلاة " فكان يتلذذ بها، فلا يقدر على قطعها فيطيل أدائها، لكونه مستغرق فيها بكليته، فعن حذيفة قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد، فقال سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريباً من قيامه " [مسلم ]


 


وعلى هذا النهج نجد أن السلف الصالح قد أدوا صلاتهم، فحين كان عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما يصلي في الحرم كانت الطيور تسقط وتنزل على ظهره في أمان وهي تظنه جذم حائط، أو جذع شجرة.


 


وقال عدي بن حاتم - رضي الله عنه -: (ما دخل علي وقت صلاة إلا وأنا مشتاق إليها ).


 


وقال أبي رجاء رحمه الله: (ما أجدني آسى على شيء من أمر الدنيا إلا أن أعفر وجهي في التراب كل يوم خمس مرات لربي عز وجل ).


 


وقال ثابت رحمه الله: (اللهم إن كنت أذنت لأحد أن يصلي في قبره فأذن لي ).


 


والصلاة سبب من أسباب التظلل بظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد.. " الحديث[البخاري]


 


قال النووي رحمه الله: (ومعناه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها، وليس معناه دوام القعود في المسجد ).


 


وهي نور، وبرهان، ووضاءة، ونجاة يوم القيامة، قال تعالى في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم وصحابته الأطهار: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: 29].


 


عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (سيماهم في وجوههم) يعني السمت الحسن. وقال مجاهد وغير واحد: يعني الخشوع والتواضع.


 


وقال السدي: الصلاة تحسن وجوههم.


 


وقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. [تفسير ابن كثير:4 /205].


وقال صلى الله عليه وسلم: " من حافظ عليها - أي الصلاة - كانت له نورا، وبرهاناً، ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له برهان، ولا نور، ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وهامان، وفرعون وأبي بن خلف "[صحيح ابن حبان ]


 


وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة "[المقدسي: الأحاديث المختارة]


 


وهي من سنن الهدى لا يزيغ عنها إلا هالك، فعن عبد الله بن مسعود قال: (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً، فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته؛ لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم، لضللتم، وما من رجل يتطهر، فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتي به يهادى بين الرجلين، حتى يقام في الصف) [مسلم ].


 


ومن خلالها تشكر النعم، ويحمد الإله، فكان يصلي حتى تورمت قدماه، فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر؟! فقال: " أفلا أكون عبداً شكوراً ".


 


وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى "[ مسلم ].


 


وفيها إرغاماً وإغاظةً، لعدو المؤمن الأول الشيطان الرجيم الذي يجاهد في منع المسلم عن الصلاة قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 91].


 


وقال صلى الله عليه وسلم عن سجود السهو: " إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان "[مسلم]


 


وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله - وفي رواية يا ويلي - أمر بن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود، فأبيت، فلي النار "[مسلم].


 


وإن لها دوراً أي دور، في منع الانزلاق نحو الفساد والانحراف قال تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45] وإقامة الصلاة يكون بأدائها كما أمر تعالى وفق سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.


 


قال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45] قال: إن الصلاة فيها ثلاث خصال، فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذا الخلال، فليست بصلاة: الإخلاص، والخشية، وذكر الله، فالإخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر وذكر الله القرآن يأمره وينهاه.


 


وقال ابن عون الأنصاري: إذا كنت في صلاة فأنت في معروف، وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر.


 


وقال حماد بن أبي سليمان: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) يعني ما دمت فيها.


 


وعن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله! إن فلاناً يصلي الليل كله، فإذا أصبح سرق. قال: "سينهاه ما تقول "


 


قال أبو حاتم: (قوله " سينهاه ما تقول " مما نقول في كتبنا إن العرب تضيف الفعل إلى الفعل نفسه كما تضيف إلى الفاعل أراد صلى الله عليه وسلم أن الصلاة إذا كانت على الحقيقة في الابتداء والانتهاء يكون المصلي مجانباً للمحظورات معها )[صحيح ابن حبان:6 /300 ]


 


وقال صلى الله عليه وسلم: " عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد "[الترمذي].


 


ومن حافظ عليها تساقطت ذنوبه، ومحيت خطاياه وآثامه، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه- أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزلت عليه ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾ [هود: 114] قال الرجل: ألي هذه. قال: " لمن عمل بها من أمتي " [البخاري].


 


وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوؤهن وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن، وخشوعهن، كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل، فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه " [أبو داود ].


 


وعن جبير بن نفير أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رأى فتى وهو يصلي قد أطال صلاته وأطنب فيها، فقال: من يعرف هذا؟ فقال رجل: أنا. فقال عبد الله: لو كنت أعرفه؛ لأمرته أن يطيل الركوع والسجود، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن العبد إذا قام يصلي، أتي بذنوبه فوضعت على رأسه، أو عاتقه، فكلما ركع أو سجد، تساقطت عنه "[صحيح ابن حبان ].


 


وهي كهف المؤمن عند المحن يلجأ إليها، ويعتصم بها، وهي بلسم الجروح، ودواء النفوس، وأمان الخائف ا لملهوف، وقوة الضعيف، وسلاح الأعزل، كيف لا وهي حبل الله الممدود لخلقه.


 


قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 97 - 99].


 


قال الشنقيطي رحمه الله: (اعلم أن ترتيبه جل وعلا الأمر بالتسبيح والسجود على ضيق صدره صلى الله عليه وسلم بسبب ما يقولون له من السوء دليل على أن الصلاة والتسبيح سبب لزوال ذلك المكروه ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر بادر إلى الصلاة وقال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة) ويؤيد هذا ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث نعيم بن همار رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " قال الله تعالى: يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره".


 


فينبغي للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله تعالى بأنواع الطاعات من صلاة وغيرها) [أضواء البيان:2 /323].


 


وقال ثابت رحمه الله: (كان الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة ).


 


والمصلي في ذمة الله وحفظه ورعايته، فعن جندب القسري –رضي الله عنه –قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة الصبح، فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء، يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم "[مسلم ]


 


قال النووي: (قيل الذمة هنا: الضمان، وقيل الأمان ).


 


وفي الحديث وعيد وتحذير لمن أراد أن يؤذي مؤمناً يصلي الفجر؛ لأنه انتهك حرمة من هو في جوار الله وحمايته، وقد قال تعالى في الحديث القدسي: " من عادى لي ولياً، فقد آذنته بالحرب "[البخاري].


 


وأمر الحجاج سالم بن عبد الله بقتل رجل، فقال له سالم: أصليت الصبح؟ فقال الرجل: نعم. فقال له: انطلق. فقال له الحجاج: ما منعك من قتله، فقال سالم: حدثني أبي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من صلى الصبح كان في جوار الله يومه" فكرهت أن أقتل رجلاً أجاره الله. فقال الحجاج: لابن عمر أنت سمعت هذا من رسول صلى الله عليه وسلم؟ فقال ابن عمر: نعم. [الترغيب والترهيب 1 /177].


 


وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ست مجالس، المؤمن ضامن على الله تعالى ما كان في شيء منها: مسجد جماعة، أو عند مريض أو في جنازة، أو في بيته، أو عند إمام مقسط يعزِّره ويوقِّره، أو في مشهد جهاد"


 


قال الحافظ الزين العراقي رحمه الله: (فيه فضيلة المبادرة إلى الخصال المذكورة وأنه إذا مات الإنسان على خصلة منها كان في ضمان الله بمعنى أنه ينجيه من أهوال القيامة ويدخله دار السلام) [المناوي: فيض القدير:4 /95]


 


والصلاة مجلبة للرزق، فعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال:" ثلاثة كلهم ضامن على الله إن عاش رزق وكفي، وإن مات أدخله الله الجنة: من دخل بيته فسلم فهو ضامن على الله، ومن خرج إلى المسجد فهو ضامن على الله، ومن خرج في سبيل الله فهو ضامن على الله "[صحيح ابن حبان]


 


قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [المنافقون: 9].


 


قال بعض المفسرين بأن المقصود بذكر الله هنا الصلوات الخمس، فمن ألهته وصرفته أمواله وأولاده عن الصلاة كان من الخاسرين.


 


فترك اكتساب الرزق من أجل أداء الصلاة المفروضة فرض، وتعاطي البيع والشراء عنده محرم، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الجمعة: 9].


 


قال ابن كثير رحمه الله: (وقوله تعالى: ﴿ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾ أي اسعوا إلى ذكر الله واتركوا البيع إذا نودي للصلاة، ولهذا اتفق العلماء رضي الله عنهم على تحريم البيع بعد النداء الثاني.


 


واختلفوا هل يصح إذا تعاطاه متعاط أم لا؟ على قولين، وظاهر الآية عدم الصحة كما هو مقرر في موضعه والله أعلم) [تفسير ابن كثير:4 /368].


 


والصلاة سبب النصر، والتمكين، والفلاح، ووراثة الآخرة قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 1 - 11].


 


وقال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾ [الأعلى: 14، 15] والفلاح هو الفوز بالمراد، والبقاء في الخير.


 


والصلاة تكون عند رأس الميت المؤمن تمنع عنه العذاب، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إن الميت إذا وضع في قبره، إنه يسمع خفق نعالهم حين يُولون عنه، فإن كان مؤمناً، كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قِبَل رأسه، فتقول الصلاة: ما قِبَلِي مَدْخَل، ثم يؤتى عن يمينه، فيقول الصيام: ما قِبَلِي مَدْخَل... " الحديث. [صحيح ابن حبان].


 


والصلاة تطفئ نار الذنوب والمعاصي، فعن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- عن صلى الله عليه وسلم قال:" تحترقون، تحترقون، فإذا صليتم الفجر غسلتها، ثم تحترقون، تحترقون، فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون، تحترقون، فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون، تحترقون، فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون، تحترقون، فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون، فلا يكتب عليكم شيء؛ حتى تستيقظون " [الطبراني: المعجم الأوسط].


 


وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن لله عز وجل ملكاً ينادي عند كل صلاة: يا بني آدم! قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على أنفسكم فأطفئوها بالصلاة " [المقدسي: الأحاديث المختارة]


 


والصلاة من أهم الأسباب لرؤية الله تعالى في الجنة، فعن جرير رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة- يعني البدر- فقال: " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا " ثم قرأ ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴾ [ق: 39][البخاري].


 


وكما أن الصلاة هي أول الفروض بعد الشهادتين، هي آخر ما يفقد من الدين، فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أول ما يرفع من الناس الأمانة وآخر ما يبقى من دينهم الصلاة، ورب مصلٍّ لا خلاق له عند الله تعالى " أي: لا نصيب له، ولا ثواب.


 


وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لتنتقضن عرى الإسلام عروةً عروة، فكلما انتقضت عروة، تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً: الحكم وآخرهن الصلاة ".[صحيح ابن حبان].


 


إن ترك الصلاة خسران وهلاك في الدنيا والآخرة، فهي عند كثير من العلماء كفر؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 11] ومفهوم الآية: أن من أصر على كفره، أو ترك الصلاة، أو على ترك الزكاة، فليس من إخواننا في دين الإسلام.


 


وقال صلى الله عليه وسلم: " بين الرجل، وبين الكفر، ترك الصلاة " [مسلم].


 


وقال أيضاً: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ".


 


وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (أما إنه لا حظ لأحد في الإسلام أضاع الصلاة ).


 


وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (من ترك الصلاة، فلا دين له )


 


وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة ).


 


لذلك كان ترك الصلاة أشد على الإنسان من مصيبة فقد الأهل والمال؛ للآثار الخطيرة المترتبة على هذا الجرم.


 


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لأن يوتَر أحدكم أهله وماله، خير له من أن يفوته وقت صلاة "[مصنف عبد الرزاق].


♦ ♦ ♦


 


لقد أثرت الصلاة على كثير من الناس من غير المسلمين، ودفعت بعضهم إلى الانضمام لقافلة الهداية، وأسوق هنا بعضاً من مشاعرهم التي نتجت عن الصلاة.


 


يقول توماس أرنولد: (إن دين المسلم يتمثل دائماً في مخيلته، وفي الصلوات اليومية يتجلى هذا الدين في طريقة نسكية خاشعة مؤثرة لا تستطيع أن تترك العابد والمشاهد كليهما غير متأثرين ).


 


ويقول رينان الفيلسوف الفرنسي الشهير: (ما دخلت مسجداً قط، دون أن تهزني عاطفة حارة، أو بعبارة أخرى: دون أن يصيبني أسف محقق على أنني لم أكن مسلماً )


 


وكان عميد اليهود في مصر المحامي زكي عريبي يتحرق شوقاً إلى الإسلام كلما رأى مسجداًً، أو وقعت عيناه على رجل يصلي لله في خشوع، ويبتهل إليه في خضوع، وكان هناك سؤال يلح عليه وهو: لماذا لا يعتنق الإسلام؟


 


وكان هذا الخاطر يعلو صوته في داخله، ويهزه من أعماقه، كلما رأى بين الحقول رجلاً متواضعاً من زارعي الأرض يقف بين يدي الله مؤدياً صلاته، فكان يود لو كان يصلي مثل صلاته، ويناجي مثل مناجاته، وتم له ذلك حين أعلن إسلامه وعمره خمس وستون عاماً.


 


هذا ما تيسر، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.