هل يكون النزول للسجود باليدين أم الركبتين؟


إذا أراد المصلي أن يسجد فأيهما يضع على الأرض أولاً: اليدين أم الركبتين؟


هذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم قديماً وحديثاً إلى يومنا هذا ولا زال الخلاف قوياً، وموطن النقاش في هذه المسألة يكمن في المحور الحديثي صحة وضعفاً، أذكرها على وجه الاختصار والإيجاز، انقسم العلماء في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال:


القول الأول: أن الذي يُقدًّم الركبتان على اليدين، وهذا قول المذهب، بل هو قول جمهور العلماء.


 


قال الخطابي: وبهذا قال أكثر العلماء وصححه ابن القيم.


 


واستدلوا: بحديث وائل بن حجر: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه " رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وهذا عمدة أدلتهم.


 


وأُعِلَّ هذا الحديث بما يلي:


1- مخالفة همام لشُريك.


2- تفرد شُريك القاضي وهو رجل سيء الحفظ عند جمهور أئمة الحديث.


 


قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرف أحداً رواه مثل هذا عن شُريك ".


 


وقال الدارقطني: " تفرد به يزيد بن هارون عن شُريك ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شُريك، وشُريك ليس بالقوي فيما تفرد به " وقال البيهقي: " إسناده ضعيف " وأيضاً أعله البخاري بشُريك.


 


وله شاهد عن عاصم الأحول عن أنس قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم انحط بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يداه ".


 


رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي، وقال البيهقي: تفرد به العلاء بن العطار والعلاء مجهول.


 


وله شواهد أخرى ضعفها أهل العلم.


 


القول الثاني: أن الذي يُقدَّم اليدان على الركبتين، وهذا قول أهل الحديث.


 


قال ابن أبي داود: وهو قول أصحاب الحديث.


 


واستدلوا: بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه" رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وأعله البخاري والترمذي، وهذا عمدة أدلتهم.


 


وأُعِلَّ هذا الحديث بما يلي:


1- أنه حديث منسوخ بحديث سعد بن أبي وقاص عند ابن خزيمة.


 


2- أن هذا الحديث مما انقلب على راويه والصواب فيه: " وليضع ركبتيه قبل يديه ".


 


3- أنه حديث مضطرب، فمن الرواة من يرويه بلفظ: " وليضع يديه قبل ركبتيه " ومنهم من يرويه بلفظ: " وليضع ركبتيه قبل يديه " ومنهم من يرويه بلفظ: " وليضع ركبتيه على يديه ".


 


واستدلوا أيضاً بما جاء عند ابن خزيمة من حديث الداروردي عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: " أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه " ورُدَّ هذا الحديث بأنه باطل إذا أن رواية الداروردي عن أيوب قال عنها أحمد والنسائي "يروي المنكرات عن أيوب " وهذا منها وأن المحفوظ لفظ: " إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه فإذا سجد أحدكم فليضع يديه ".


[ ولكل واحد من أصحاب هذين القولين رَدٌّ على الآخر بما استدلَّ وأعَلَّ تطول المسألة بذكرها ].


 


القول الثالث: أن المصلي مخيَّر بين الأمرين، وأن الأحاديث في النزول على الركبتين أو اليدين كلها لا تصح فنرجع إلى الأصل وهو أن السجود يكون على الصفة التي لا يكون فيها مشقة، وهو قول قوي، وأن الأمر في ذلك واسع، وبه قال النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية.


 


قال النووي: واحتج لمن قال بتقديم اليدين بأحاديث، ولمن قال بعكسه بأحاديث ولا يظهر ترجيح أحد المذهبين من حيث السنة.


 


وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (22/ 449):


" أما الصلاة فكلاهما جائزة باتفاق أهل العلم، إن شاء يضع ركبتيه قبل يديه، وإن شاء وضع يديه قبل ركبتيه، وصلاته صحيحة باتفاق العلماء ولكن تنازعوا في الأفضل ".


 


والقول الراجح والله أعلم: أنه يُقَدِّم الركبتين على اليدين عند النزول للسجود.


 


وذلك لما يلي:


1- ثبوت النزول على الركبتين عن عمر بن الخطاب كما في مصنف ابن أبي شيبة من حديث إبراهيم النخعي عن الأسود: " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نزل على ركبتيه " وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " رواه أبو داود.


 


ولم يثبت عن الصحابة في هذه المسألة خبر صحيح إلا عن عمر بن الخطاب أنه كان ينزل على ركبتيه.


 


2- أن هذا قول أكثر أهل العلم وهذا ليس دليلاً وإنما يستأنس به، وإلى هذا ذهب بعض التابعين فمن ذلك ما جاء من حديث حجاج بن أرطاة عن أبي إسحاق السبيعي قال: " كان أصحاب عبدالله إذا انحطوا للسجود وقعت ركبهم قبل أيديهم " وثبت عن الطحاوي عن إبراهيم النخعي قال: " حُفظ عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان ركبتاه تقعان قبل يديه ".


 


قال ابن المنذر: وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، ومن رأى أن يضع ركبتيه قبل يديه: عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وبه قال النخعي، ومسلم بن يسار، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة وأصحابه، وأهل الكوفة. وقالت طائفة: يضع يديه قبل ركبتيه، قاله مالك: وقال الأوزاعي: أدركنا الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم. قال ابن أبي داود: وهو قول أصحاب الحديث".


 


مستلة من الفقه الواضح في المذهب والقول الراجح على متن زاد المستقنع (كتاب الصلاة)