كم المدَّة بين النفخة الأولى، والثانية؟


قال الله تعالى في النفختين: ﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ﴾ [يس: ٤٩، ٥١].


 


وبيَّن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أن ما بينهما أربعون، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه – قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ"، قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ. " ثُمَّ يُنْزِلُ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ"[1].


 


ثم يكون بعد ذلك (البعث)، فما هو (البعث)؟ وما الدليل عليه؟


البعث لغة: الإرسال، والنشر.


وشرعًا: إحياء الأموات يوم القيامة.


 


• والبعث دلَّ عليه الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع.


فمِن الكتاب: قوله تعالى: ﴿ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ﴾ [التغابن: ٧].


ومن السُّنة: حديث جابر رضي الله عنه عند مسلم قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ"[2].


 


وأجمع السَّلَف رحمهم الله على إثبات البعث ليوم القيامة.


 


• لعظم أمر البعث؛ جاء إثباته في القرآن، والسُّنَّة بطرق كثيرة، منهـا:


1/ فتارة بالتصريح: كقوله تعالى: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ﴾ ، [التغابن: ٧]، وقوله: ﴿ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّـهُ ﴾ [الأنعام: ٣٦].


 


2/ وتارة بتذكير الإنسان بنشأته الأولى: كقوله تعالى: ﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾ [الطارق: ٥، ٨].


3/ وتارة بالاستدلال بإنبات النبات على إحياء الأموات: كقوله تعالى: ﴿ فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّـهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاإِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰوَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [ الروم: ٥٠].


4/ وتارة بالإشارة، والتأمُّل في خلق السموات والأرض: كقوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّـهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰبَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأحقاف: ٣٣].


 


5/ وتارة بتنزيه الله تعالى عن العبث، إذ أنه لو لم يكن هناك بعث لكانت الأوامر، والنواهي، والجزاء من العبث: كقوله تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون: ١١٥].


6/ وتارة بذكر القصص، والوقائع التي تدلّ على البعث: كقِصَّة الذي مرَّ على قرية، وهي خاوية على عروشها، فأماته الله تعالى مائة عام، ثم بعثه، وقِصَّة قتيل بني إسرائيل، وقِصَّة الذين أُخرجِوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقصة إبراهيم - عليه السلام - والطيور الأربعة، وقِصَّة أصحاب الكهف.


 


متى يكون البعث؟


البعث - أطال الله بعمرك على طاعته - يكون بعد النفخة الثانية، ولكن قبل النفخة ينزل ماء من السماء تنبت منه أجساد العباد، دلّ على ذلك: حديث ابن عمرو رضي الله عنهما عند مسلم، وقد تقدَّم مرفوعا: " ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَلاَ يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلاَّ أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا، قَالَ وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ. قَالَ: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ. ثُمَّ يُرْسِلُ اللّهُ، أَوْ قَالَ يُنْزِلُ اللّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ، أَوِ الظِّلُّ (نُعْمَانُ الشَّاكّ) فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظَرُونَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلموا إِلَى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ..."[3].


 


وإنبات الأجساد بعد نزول المطر عليها يماثل إنبات النبات من الأرض إذا نزل الماء عليها، ولذا كثيرًا ما يضرب الله -تعالى - في كتابه الكريم المثل للبعث، والنشور، بإحياء الأرض بالنبات، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 57].


 


وتقدَّم أن جسد الإنسان يبلى في القبر إلا: (عَجْب الذنب)، فمِنه يُركَّب الخلق يوم القيامة، وتقدَّم حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: "ثُمَّ يُنْزِلُ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ[4]"، وعنه مرفوعًا: "وَلَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلاَّ يَبْلَى، إِلاَّ عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"[5].


 


وأول من تنشق عنه الأرض فيبعث: هو النَّبي صلى الله عليه وسلم.


 


عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشْفَّعٍ"[6].


 


مستلة من: "فقه الانتقال من دار الفرار إلى دار القرار"


[1] رواه مسلم برقم (2955).


[2] رواه مسلم برقم (2878).


[3] رواه مسلم برقم (2940).


[4] البقل: قال أهل اللغة: البقل: كل نبات أخضرت به الأرض، رواه مسلم برقم (2955).


[5] رواه البخاري برقم (4935)، رواه مسلم برقم (2955).


[6] رواه مسلم برقم (2278).