حقُّ الله الخالص
والحذرُ مِنْ خلطِ حقِّه
بما للرسول صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ حقٍّ
( الكلمة الشهرية للشيخ محمد بن علي فركوس - حفظه الله )

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فينبغي الحذرُ والتحرُّزُ مِنَ الاشتباهِ الذي قد يحصل ما بين حقِّ الله تعالى وما للرسول مِنْ حقٍّ؛ إذ قد يَقَعُ التداخلُ بين الحقَّيْن على وجهٍ لا يشعر العبدُ فيه بالفرق، وقد يتعمَّدُ الخلطَ بين المفهومين ظانًّا أنه بذلك يؤدِّي واجبًا تُجاهَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أو قد يكون مدفوعًا بفرطِ محبَّةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم والمبالغةِ في تعظيمه؛ فيتجاوزُ بذلك حدودَ حقِّ الله تعالى الخالصِ فيجعلُه ـ ظلمًا ـ مِنْ حقِّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، فيصرف ـ بذلك ـ العبادةَ إليه، فيقع في الشرك المنهيِّ عنه بهذه الأسباب أو بغيرها، فلا يحقِّق ـ بالتالي ـ رُكْنَ الشهادة ولا شَرْطَها.

والمعلومُ أنَّ لله حقًّا خالصًا لا يُشْرَكُ فيه معه غيرُه، وهو ما يختصُّ به مِنَ الربوبية والألوهية، والأسماءِ والصفات؛ فإنَّ كُلَّ ما دَعَا إليه الشرعُ الحكيمُ مِنْ أنواع الطاعات وأعمالِ الخير والإحسان ممَّا أَمَر به وحثَّ على فعلِه ورغَّب فيه مِنَ الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرةِ داخلٌ في مفهوم العبادة وعمومِها، لا يجوز صرفُه ـ بحالٍ ـ لغير الله تعالى، بل حقُّ اللهِ المؤكَّدُ على العبيدِ وجوبُ صرفِ كُلِّ العبادات له دون غيرِه؛ لأنه هو المعبودُ المُطاع، ولا معبودَ بحقٍّ سواه، وهي الغايةُ التي خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ لأجلها، ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦﴾ [الذاريات]، والمعلومُ أَنْ لا نصيبَ لأحَدٍ في الجنَّة بدون القيام بحقِّ الله تعالى، كما جاء في حديثِ مُعاذ بنِ جبلٍ رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟» قَالَ: «اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ»، قَالَ: «أَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ»، قَالَ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟» فَقَالَ: «اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ»، قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ»(١) الحديث، قال السعديُّ ـ رحمه الله ـ: «وهذا النوعُ ـ يعني: توحيدَ الألوهية والعبادة ـ زبدةُ رسالةِ الله لرُسُله؛ فكُلُّ نبيٍّ يبعثه اللهُ يدعو قومَه يقول: ﴿ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ﴾ [الأعراف: ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥؛ هود: ٥٠، ٦١، ٨٤؛ المؤمنون: ٢٣، ٣٢]، ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وهو الذي خَلَق اللهُ الخَلْقَ لأجله، وشَرَع الجهادَ لإقامته، وجَعَل الثوابَ الدنيويَّ والأخرويَّ لمَنْ قام به وحقَّقه، والعقابَ لمَنْ تَرَكه، وبه يحصل الفرقُ بين أهل السعادة القائمين به، وأهلِ الشقاوةِ التاركين له»(٢)، وقال ـ رحمه الله ـ في موضعٍ آخَرَ: «فجميعُ الكُتُبِ السماويةِ وجميعُ الرُّسُل دَعَوْا إلى هذا التوحيد، ونَهَوْا عن ضدِّه مِنَ الشرك والتنديد، وخصوصًا محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم وهذا القرآنُ الكريم؛ فإنه أَمَر به وفَرَضه وقرَّره أعظمَ تقريرٍ، وبيَّنه أعظمَ بيانٍ، وأخبر أنه لا نجاةَ ولا فلاحَ ولا سعادةَ إلَّا بهذا التوحيد، وأنَّ جميعَ الأدلَّةِ العقلية والنقلية والأُفُقية والنفسيةِ أدلَّةٌ وبراهينُ على هذا الأمرِ بهذا التوحيد ووجوبِه؛ فالتوحيدُ هو حقُّ اللهِ الواجبُ على العبيد، وهو أعظمُ أوامرِ الدِّينِ وأصلُ الأصول كُلِّها وأساسُ الأعمال»(٣).

وأنَّ للرُّسُل والأنبياء صلواتُ الله وسلامُه عليهم ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ حقًّا خاصًّا: هو توقيرُهم وتبجيلهم وإعانتُهم ونُصرتُهم وتقديرهم بما يَستحِقُّون؛ لقوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، وهذا الحقُّ الخاصُّ للرُّسُل والأنبياء عليهم السلام يَندرِجُ في النصيحة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث المشهور: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: «لِمَنْ؟» قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»(٤)، قال الخطَّابيُّ ـ رحمه الله ـ: «وأمَّا النصيحة لرسوله صلَّى الله عليه وسلَّم فإنما هي في تصديقه على الرسالة، وقَبولِ ما جاء به ودَعَا إليه، وطاعتِه فيما سنَّ وشَرَع وبيَّن مِنْ أمرِ الدِّين وشَرَح، والانقيادِ له فيما أَمَر ونَهَى وحَكَم وأَمْضى، وتركِ التقديم بين يدَيْه، وإعظامِ حقِّه وتعزيره وتوقيره ومؤازَرتِه ونصرتِه، وإحياءِ طريقته في بَثِّ الدعوة وإشاعةِ السنَّة، ونفيِ التهمة في جميعِ ما قالَهُ ونَطَق به؛ فإنه لَكَمَا وَصَفه ربُّه وباعِثُه فقال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤﴾ [النجم]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥﴾ [النساء]»(٥).

وأمَّا قولُه تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗوَأَصِيلًا ٩﴾ [الفتح] فإنَّ التسبيح مِنْ حقوق الله الخاصَّةِ به؛ فلا يجوز تسبيحُ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم كما يُسبَّحُ اللهُ تعالى فإنَّ ذلك يُعَدُّ ـ بلا شكٍّ ـ شركًا بخلافِ الإيمان بالله ورسوله وطاعتِهما؛ فإنهما مِنَ الحقوق المشترَكةِ بين الله ورسوله؛ لقوله تعالى: ﴿لِّتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ [الفتح: ٩؛ المجادلة: ٤]، ولقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢؛ التغابن: ١٢]، والإيمانُ بالله والرسولِ وطاعتُه هو ـ في حقيقة الأمر ـ إيمانٌ بالله وطاعةٌ له؛ لقوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، «فذَكَر اللهُ ـ في هذه الآية ـ الحقَّ المشترَكَ بين الله وبين رسوله وهو: الإيمانُ بهما، والمختصَّ بالرسول وهو: التعزيرُ والتوقير، والمختصَّ بالله وهو: التسبيحُ له والتقديسُ بصلاةٍ أو غيرِها»(٦).

لذلك يَحْرُمُ مجاوَزةُ الحدِّ المشروع في الأنبياء والرُّسُلِ عليهم السلام والغُلُوُّ فيهم؛ خشيةَ رفعِهم مِنْ درجة النبوَّةِ إلى حيِّزِ صفات الربوبية والألوهية: كنسبةِ عِلْمِ اللوح والقلم للرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، أو اعتقادِ القدرة فيه على كشفِ الضرِّ أو جلبِ النفع والخير، وما يَنجَرُّ عنه مِنْ دعائه والاستغاثةِ به فيما لا يقدر على تحصيله إلَّا اللهُ تعالى، والتوكُّلِ عليه، ونحوِ ذلك ممَّا يُنافي التوحيدَ؛ لكونها مِنَ الحقوق الخاصَّةِ بالله عزَّ وجلَّ، سواءٌ وَقَع التداخلُ والخلطُ بين هذه الحقوقِ مِنْ غير تميُّزٍ بينها ـ جهلًا ـ أو بدعوَى مَزيدِ محبَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم المُفْرِطة، علمًا أنَّ محبَّةَ الرسولِ الحقيقيةَ إنما هي متابَعتُه والمسارَعةُ في طاعته فيما يُحِبُّه اللهُ مِنَ الإيمان والعمل الصالح، ومِنْ دفعِ ما يبغضه مِنَ الكفر والفسوق والعصيان؛ فالمحبَّةُ لها علامتان: فهي لا تتمُّ إلَّا بتجريد المتابَعةِ لشرعِ الله الذي جاء به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن ربِّه أوَّلًا؛ لقوله تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١﴾ [آل عمران]، وممَّا جاء به صلَّى الله عليه وسلَّم عن ربِّه: إفرادُ الله بالعبادة بجميع أنواعها ومراتبها وصُوَرِها مِنْ غيرِ صرفِ أيِّ شيءٍ منها لأحَدٍ كائنًا مَنْ كان، وهذا معنَى كلمةِ التوحيد، ولا تتمُّ محبَّةُ الله ـ ثانيًا ـ إلَّا بموالاته تعالى وموافَقته فيما يُحِبُّ ويكره؛ فيُحِبُّ العبدُ ما يُحِبُّه ربُّه ويبغض ما يبغضه؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦ﴾ [التوبة: ٢٤]، وبقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «[فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ]، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ [وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ]»(٧).

ولتثبيتِ هذه الحقائقِ والمعاني في نفوس المسلمين وترسيخِها أفصح القرآنُ الكريم أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بَشَرٌ يدعو إلى عبادة الله وَحْدَه لا شريكَ له وإلى إقامةِ دِينِه مقيَّدًا بما جاء به مِنْ سنَّتِه، قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠﴾ [الكهف]، وقد بيَّن ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ هذا المعنى ـ بجلاءٍ ـ بقوله: «والأعمال أربعةٌ: واحدٌ مقبولٌ، وثلاثةٌ مردودةٌ؛ فالمقبولُ ما كان لله خالصًا وللسنَّة موافِقًا، والمردودُ ما فُقِدَ منه الوصفان أو أحَدُهما، وذلك أنَّ العمل المقبولَ هو ما أَحَبَّه اللهُ ورَضِيَه، وهو ـ سبحانه ـ إنما يُحِبُّ ما أَمَر به وما عُمِلَ لوجهِه، وما عَدَا ذلك مِنَ الأعمال فإنه لا يُحِبُّها، بل يمقتها ويمقت أهلَها»(٨)، وفصَّل ابنُ رجبٍ ـ رحمه الله ـ مسألةَ العمل ـ مِنْ حيث ظاهِرُه وباطِنُه ـ بما نصُّه: «.. وإنما يتمُّ ذلك بأمرين: أحَدُهما: أَنْ يكون العملُ ـ في ظاهِرِه ـ على موافَقةِ السنَّة، وهذا هو الذي تَضمَّنَه حديثُ عائشة: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»(٩)، والثاني: أَنْ يكون العملُ في باطِنِه يُقْصَدُ به وجهُ الله عزَّ وجلَّ، كما تَضمَّنَهُ حديثُ عمر: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»(١٠)، وقال الفُضَيْلُ في قوله تعالى: ﴿لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا﴾ [الملك: ٢]، قال: «أَخْلصُه وأَصْوبُه»، وقال: «إنَّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقْبَلْ، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقْبَلْ، حتَّى يكون خالصًا وصوابًا»، قال: «والخالصُ إذا كان لله عزَّ وجلَّ، والصوابُ إذا كان على السنَّة»»(١١).

ولهذا كان الدعاءُ لجلبِ الخير والنفع أو لكشفِ الضرِّ أو دفعِ السوء والأذى إنما هو موجَّهٌ للمعبود الحقِّ دون غيره لقوله تعالى: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا ٥٦﴾ [الإسراء]، وقد فسَّر ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ هذه الآيةَ بقوله: «فمَنْ دَعَا غيرَ اللهِ فقَدْ عَبَده، ومَنْ دَعَا مخلوقًا مع الخالق فقَدْ أشرك، فإذا دَعَوْتَ فادْعُ ربَّك ولا تَدْعُ معه أحَدًا، وكيف تدعو مَنْ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا؟! وإذا تَوسَّلْتَ فتَوَسَّلْ بأعمالك: بإيمانك وتوحيدك، وباتِّباعك لمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وآلِه وسلَّم، ومحبَّتِك فيه، واعتقادِك ما له عند الله مِنْ عظيمِ المنزلة وسُمُوِّ المقام عليه وعلى آله الصلاةُ والسلامُ»(١٢)، ولقوله تعالى: ﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ [يونس: ٤٩]، قال محمَّد صدِّيق حسن خان ـ رحمه الله ـ في حكم التوجُّه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة به ما نصُّه: «وفي هذا أعظمُ واعظٍ وأبلغُ زاجرٍ لمَنْ صار ديدنُه وهِجِّيراهُ المناداةَ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والاستغاثةَ به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعِها إلَّا اللهُ سبحانه، وذلك مَنْ صار يطلب مِنَ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم ما لا يقدر على تحصيله إلَّا اللهُ سبحانه؛ فإنَّ هذا مَقامُ ربِّ العالمين الذي خَلَق الأنبياءَ والصالحين وجميعَ المخلوقين: رَزَقهم وأحياهم ويُميتُهم؛ فكيف يطلب مِنْ نبيٍّ مِنَ الأنبياء أو مَلَكٍ مِنَ الملائكة أو صالحٍ مِنَ الصالحين ما هو عاجزٌ عنه غيرُ قادرٍ عليه، ويترك الطلبَ لربِّ الأرباب، القادرِ على كُلِّ شيءٍ، الخالقِ الرازق المعطي المانع؟ وحَسْبُك ـ في هذه الآيةِ ـ موعظةً؛ فإنَّ هذا سيِّدُ ولدِ آدَمَ وخاتمُ الرُّسُل يأمره اللهُ بأَنْ يقول لعباده: ﴿لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا﴾؛ فكيف يملكه لغيره؟ وكيف يملكه غيرُه ـ ممَّنْ رتبتُه دون رتبته، ومنزلتُه لا تبلغ إلى منزلته ـ لنفسه فضلًا عن أَنْ يملكه لغيره؟ فيا عجبًا لقومٍ يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم مِنَ الحوائج ما لا يقدر عليه إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ، كيف لا يتيقَّظون لِمَا وقعوا به مِنَ الشرك، ولا ينتبهون لِمَا حلَّ بهم مِنَ المخالفة لمعنى: «لا إلهَ إلا اللهُ»، ومدلولِ: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١﴾ [الإخلاص]؟! وأعجبُ مِنْ هذا اطِّلاعُ أهلِ العلم على ما يقع مِنْ هؤلاء ولا يُنْكِرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشدُّ منها؛ فإنَّ أولئك يعترفون بأنَّ الله ـ سبحانه ـ هو الخالقُ الرازق المحيي المميتُ الضارُّ النافع، وإنما يجعلون أصنامَهم شُفَعاءَ لهم عند الله ومقرِّبين إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرةً على الضرِّ والنفع، ويُنادونهم ـ تارةً ـ على الاستقلال وتارةً مع ذي الجلال، وكفاك مِنْ شرٍّ سماعُه، واللهُ ناصِرُ دِينِه ومُظهِرُ شريعته مِنْ أوضار الشرك وأدناسِ الكفر، ولقد تَوسَّلَ الشيطانُ ـ أخزاه اللهُ ـ بهذه الذريعةِ إلى ما تَقَرُّ به عينُه ويَنثلِجُ به صدرُه مِنْ كفرِ كثيرٍ مِنْ هذه الأمَّةِ المبارَكة وهُمْ يحسبون أنهم يُحْسِنون صنعًا، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون»(١٣).

هذا، والقرآنُ الكريم تَضمَّنَ العديدَ مِنَ الآيات الناهية عن الدعاء بجلب الخير، والسؤالِ لكشفِ الضرِّ أو تحويلِه، إلَّا مِنَ الله تعالى الذي دَعَانا إلى طلبِه منه والتوجُّهِ إليه مباشَرةً دون واسطةٍ، قال تعالى: ﴿ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].

وعليه، فلا وساطةَ للرُّسُل والأنبياء عليهم السلام في شيءٍ بين الله تعالى وعبادِه مِنْ طلبِ الحوائج مِنَ الله تعالى، وإنما وساطتُهم تتجلَّى في تبليغِ شرعِ الله ودِينِه لعباده. وفي بيانِ هذه الوساطةِ وإثباتِها قال عبد العزيز المحمَّد السلمان ـ رحمه الله ـ ما يلي: «إنها على قسمين:

ـ واسطةٌ مِنْ تمام الدِّينِ والإيمانِ إثباتُها: وهي أنَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم وغيرَه مِنَ الرسل وسائطُ بين الله وبين عباده في تبليغِ دِينِه وشرعِه.

ـ وواسطةٌ شركيةٌ: وهي التقرُّبُ إلى أحَدٍ مِنَ الخَلْق ليُقرِّبَه إلى الله، وليَجلِبَ له المنافعَ التي لا يقدر عليها إلَّا اللهُ، أو يدفع عنه المَضارَّ؛ فهذا النوعُ مِنَ الشرك الأكبر الذي لا يغفره اللهُ.

فالخَلْق مضطرُّون إلى وساطة الرُّسُل في تبليغِ الدِّين، وليس بهم حاجةٌ إلى وساطةِ أحَدٍ في طلبِ الحوائج مِنَ الله؛ فليس بين العبد وبين الله حجابٌ ولا واسطةٌ»(١٤).

ومنه يُعْلَمُ أنَّ الله تعالى لم يجعل وساطةَ الرُّسُل والأنبياء عليهم السلام ولا مكانتَهم وجاهَهم ـ فضلًا عن الصالحين ـ طريقًا للتقرُّب منه أو وسيلةً مُوصِلةً إليه ولا سببًا للزُّلفى لدَيْهِ، وإنما جَعَل القُرْبَ منه والوسيلةَ إليه في تصديقهم فيما أخبروا به، واتِّباعِ النور الذي جاءوا به مِنْ عبادته وطاعتِه وامتثالِ أوامره ونواهيه، والْتزامِ مَحَابِّه واجتنابِ مَكارهِه، والعملِ على تقريرِ شرعِه ونَشْرِه وتثبيتِه وإقامتِه بين الخَلْق.

ولا يخفى أنَّ الأنبياء والرُّسُلَ عليهم السلامُ لم يَدَّعوا أنَّ بأيديهم مَفاتيحَ رِزْقِ اللهِ ورحمتِه، ولا أنهم يملكون التصرُّفَ في خزائن الله، ولا أنهم يعلمون الغيبَ، ولا أنهم ملائكةٌ، وإنما هُمْ بشرٌ ممَّنْ خَلَقَ، يُوحَى إليهم مِنَ الله تعالى، شرَّفَهم اللهُ بالوحي الذي يتَّبِعونه ولا يخرجون عنه، وأَنْعَمَ عليهم بالمَكارم والفضائل والكمالات، وعَصَمَهم مِنَ الرذائل والنقائص والمَعايب، وأَكْرَمهم بالرسالة أو النبوَّة لهداية الخَلْق إلى الحقِّ وإقامةِ الحجَّة عليهم، وأيَّدهم بالآيات البيِّنات والمعجزات الباهرات وخوارق العادات الدالَّةِ على صِدْقِهم؛ حتَّى لا يبقى عذرٌ لأحَدٍ في تكذيبهم والخروجِ عن طاعتِهم؛ وليس للرُّسُل والأنبياء عليهم السلام أيُّ تصرُّفٍ مع الله في الكون؛ لذلك «كانوا إذا سُئِلوا الآياتِ المعجزاتِ الخارقةَ للعادة؛ رَدُّوا الأمرَ إلى الله، ونَفَوْا أَنْ تكون لهم قدرةٌ على الإتيان بها إلَّا بإذن الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١١]؛ فيُظْهِرُ اللهُ ـ على أيديهم ـ الآياتِ تأييدًا لهم وتخويفًا لأقوامهم وقطعًا لمُشاغَبتهم؛ فيخضع لها بعضُهم ويَستمِرُّ الأكثرون على العناد؛ فما مِنْ نبيٍّ مِنَ الأنيياء إلَّا وقد أعطاهُ اللهُ مِنَ الآيات والمعجزاتِ ما مِثْلُه ـ في وضوحه وظهوره والعجزِ عن معارَضته ـ ما يُؤْمِنُ عليه العبادُ ويتَّفِقون عليه لولا ما يَصُدُّهم عنه مِنَ العناد، وهو معنَى قولِه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ»(١٥)»(١٦)؛ ولهذا أَمَرَ اللهُ تعالى نبيَّه أَنْ يَبْرَأَ مِنْ دعوَى هذه المَحاوِرِ الثلاثة مِنَ العلم والقدرة والغنى، التي ترجع إليها المعجزاتُ بقوله تعالى: ﴿قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ ما نصُّه: «فأَمَرَهُ أَنْ يخبر أنه لا يعلم الغيبَ، ولا يملك خزائنَ الله، ولا هو مَلَكٌ غنيٌّ عن الأكل والمال، إِنْ هو إلَّا مُتَّبِعٌ لِمَا أُوحِيَ إليه، واتِّباعُ ما أُوحِيَ إليه هو الدِّينُ، وهو طاعةُ اللهِ وعبادتُه علمًا وعملًا بالباطن والظاهر، وإنما يَنالُ مِنْ تلك الثلاثةِ بقَدْرِ ما يعطيه اللهُ تعالى: فيعلم منه ما علَّمَه إيَّاهُ، ويقدر منه على ما أَقْدَرهُ اللهُ عليه، ويستغني عمَّا أغناهُ اللهُ عنه مِنَ الأمور المُخالِفةِ للعادة المطَّرِدةِ أو لعادةِ غالبِ الناس»(١٧).

ومِنْ هنا يظهر ـ جليًّا ـ أنَّ حياةَ أنبياءِ اللهِ ورُسُله ـ صلواتُ الله وسلامُه عليهم ـ لم تكن مبنيَّةً على تغييب حقيقتهم البشرية، أو رفعِ أنفسهم إلى مَقامِ الربوبية، أو ادِّعاءِ خصائص الألوهية، أو إرادةِ تلبيسٍ بين حقِّ الله الخالص وحقِّ أنبيائه الكرام عليهم السلام، كلَّا، إنما كانَتْ حياتُهم مليئةً بالصِّلَة بالله، وعامرةً بالعلم النافع، والعملِ الصالح، والقوَّةِ في العبادة، والمسارَعةِ في الخيرات، والبصيرةِ النافذة في الدِّين؛ حتَّى بلغوا الغايةَ في العبودية والسُّمُوِّ الروحيِّ، يَهْدُون الناسَ إلى الله، ويبلِّغون دِينَه وشَرْعَه، ويَدْعُون إلى الهدى ودِينِ الحقِّ، ويتنافسون في القُرْبِ مِنْ ربِّهم، ويبذلون ما في وُسْعِهم مِنَ الأعمال الصالحة المقرِّبةِ إلى الله بجدٍّ واجتهادٍ، يَرْجُون ـ بأعمالهم الصالحة ومحبَّتِهم الصادقة ـ رحمتَه، ويخافون ـ بمُخالَفتهم لأمرِه ـ عذابَه، ويخشَوْن ـ بقصورهم عن أداءِ حقِّه ـ عقوبتَه وانتقامه؛ لعلمِهم بقوَّة الله وعظيمِ سلطانه، وأنَّ عذابه أليمٌ شديدٌ، شأنُه أَنْ يُتَّقَى ويُحْذَرَ، قال الله تعالى عن أهل اصطفائه واجتبائه: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا ٥٧﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ ٧٣﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠﴾ [الأنبياء].

فتلك هي العبوديةُ الحقَّةُ التي كان الرسلُ والأنبياء عليهم السلام عليها، والمعلومُ أنَّ العبد كلَّما ازداد في تحقيق العبودية الخالصةِ ازداد كمالُه وسَمَتْ روحُه وعَلَتْ درجتُه، وكلَّما نَقَصَتْ عبوديتُه ازداد بُعْدًا وهبوطًا وانحدارًا، والرسلُ والأنبياء عليهم السلام ـ وإِنْ تَفاوَتوا في الفضل والدرجة ـ إلَّا أنهم كانوا يَتنافَسون في القُرْب مِنْ ربِّهم، ويَتسابَقون في تحقيق العبودية، ويُسارِعون في الخيرات كما تَقدَّمَتْ به الآياتُ؛ ولهذا وَصَفهم اللهُ تعالى في كتابه بوصف العبودية التي أساسُها المحبَّةُ والخوفُ والرجاء فقال تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥ إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٤٦ وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٧ وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٨﴾ [ص]، وقال: ﴿ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ﴾ [ص: ٤١]، وذَكَر نبيَّنا محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم بوصف العبودية في أَسْمَى أحوالِه وأشرفِ مَقاماته: كالإسراء في قوله تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا﴾ [الإسراء: ١]، وفي مَقامِ الإيحاء والتحدِّي بالذي أُنْزِلَ عليه، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ ١٠﴾ [النجم]، وقولِه تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، وفي مَقامِ القيام بالدعوة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ ٱللَّهِ يَدۡعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وغيرها مِنَ الآيات المخبرة عن فضائلِ عبادِه المُرْسَلين وأنبيائه العابدين، المجتهِدين في تحقيقِ العبودية الخالصةِ لله ربِّ العالمين.

وعلينا ـ أخيرًا ـ أَنْ نقتديَ بهم في تحقيقِ هذه العبودية الخالصةِ لله تعالى ونهتديَ بهَدْيِهم، مع احترام حقِّهم ومنزلتهم في التوقير والتبجيل والمحبَّة والنصرة، مِنْ غير غُلُوٍّ في تعظيمهم ولا إطراءٍ مُفْضٍ بمَحبَّتهم إلى امتزاجِ حقِّهم بما لله تعالى مِنْ حقٍّ خالصٍ في العبودية.

نسأل اللهَ أَنْ يبصِّرَنا بالحقِّ ويَهدِيَنا إليه، ويجعلنا مِنْ حزبه ويُميتَنا عليه، آمين، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٦ ربيع الثاني ١٤٣٧ﻫ
المـوافق ﻟ: ٢٦ ينـــــاير ٢٠١٦م

(١) أخرجه البخاريُّ في «التوحيد» بابُ ما جاء في دعاء النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمَّتَه إلى توحيد الله تَبارَك وتعالى (٧٣٧٣)
ومسلمٌ في «الإيمان» (٣٠)، مِنْ حديثِ معاذ بنِ جبلٍ رضي الله عنه.
(٢) «الحقُّ الواضح المبين» للسعدي (١١١).
(٣) «القول السديد» للسعدي (١٣).
(٤) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (٥٥) مِنْ حديثِ تميم بنِ أوسٍ الداريِّ رضي الله عنه.
(٥) «أعلام الحديث» للخطَّابي (١/ ١٩٢).
(٦) «تفسير السعدي» (٩٣٤).
(٧) أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» باب: حبُّ الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ الإيمان (١٤) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.
وأخرجه البخاريُّ (١٥)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٤٤)، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه.
(٨) «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (٢/ ١٨١).
(٩) أخرجه البخاري في «الصلح» باب: إذا اصطلحوا على صلحِ جَوْرٍ فالصلحُ مردودٌ (٢٦٩٧)
ومسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٨)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.
(١٠) أخرجه البخاري في «بدء الوحي» باب: كيف كان بدءُ الوحي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟ (١)، ومسلم في «الإمارة» (١٩٠٧)، مِنْ حديثِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه.
(١١) «جامع العلوم والحِكَم» لابن رجب (١٠).
(١٢) «مجالس التذكير مِنْ كلام الحكيم الخبير» لابن باديس (٤٦٨).
(١٣) «فتح البيان» للقنوجي (٤/ ٢٢٥).
(١٤) «الكواشف الجليَّة» للسلمان (٧٣).
(١٥) أخرجه البخاريُّ في «فضائل القرآن» (٩/ ٣) باب: كيف نَزَلَ الوحيُ، وأوَّلِ ما نَزَلَ (٤٩٨١)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٢/ ١٨٦)
بابُ وجوبِ الإيمان برسالة نبيِّنا محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى جميع الناس، ونسخِ المِلَلِ بمِلَّتِه (١٥٢)
مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.
(١٦) «مجالس التذكير مِنْ حديثِ البشير النذير» لابن باديس (٣٣ ـ ٣٤).
(١٧) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١١/ ٣١٣)، وانظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (٥٥٨).
المصدر : الموقع الرسمي
للشيخ محمد بن علي فركوس - حفظه الله