من المطالب الَّتي لا تجد لها متخلِّفًا يدعو إليها مطلب الأمن وما يتعلَّق به من أسباب ووسائل لبسطه والحفاظ على بقائه

إذ الجميع مشتركون في التَّلذُّذ به موجودًا, ومتضرِّرون حينما يكون مفقودًا.


والأمن ضدُّ الخوف, ويعني الحفاظ على البلاد والعباد في أمر المعاش والمعاد, وقد لا تجد من يَقصُر فهمه من أبناء الإسلام عن هذا إلَّا من شذَّ؛ من ضعفاء الحصانة العقديَّة, ومحترفي الإرجاف والتَّخذيل, ولا عبرة ـ بل ولا كرامة ـ لكلِّ إرجاف أو مرجف.


وإذا كان مطلب الأمن حاضرًا بكلِّ قوَّة في أجندة المفاوضين والباحثين عن السَّلام, بين أروقة المؤتمرات والنَّدوات, وفي نداءات الدُّول والحكومات, وفي سنِّ القوانين وإبرام المعاهدات, وفي محاولات التَّغيير والإصلاحات ـ داخلًا وخارجًا ـ؛ فإنَّما يعنون بالأمن: أمنَ الأرواح وأمن الأموال, وأمن الغذاء وأمن الصِّحَّة وأمن العمل؛ من أن يُعتدى عليها, أو يُفرَّط في حقِّها وفي حمايتها, ويبقى الاهتمام منصبًّا على هذه المذكورات أو على بعضها حسب المصالح والمنافع المتبادلة.


غير أنَّ الملاحظ في هذه الجهود الَّتي تبذل على أكثر من صعيد في تحقيق الأمن وبذل وسائله, هو صرف العناية عن نوع من الأمن والتَّقليل من أهمِّيَّته, وهو الأمن على الدِّين والعقيدة، مع أنَّه الأصل في الحفاظ على أمن الأمَّة واستقرارها في بلاد أهل الإسلام, والتَّهاون به أو الإخلال بالقيام به ينتج عنه هدمٌ لركن من أركان الأمن, يتهاوى تباعًا له ركن أمن الأجساد والأرزاق والأعراض…


وهذا النَّوع من الأمن واجبٌ القيام به, وهو مسندٌ إلى العلماء الَّذين هم محلُّ ثقةٍ وقبول عند عموم الأمَّة, لا يُحسِنُ القيامَ به سواهم, لما لهم من دور بارزٍ في حفظ أمن جماعة المسلمين, تارةً بالبيان والإرشاد إلى منهج أهل الحقِّ ومعتقداتهم الحارسة للقيم والفضائل, وتارةً بالنُّصح ـ رفقًا أو تشديدًا ـ لمن انحرف عن سبيلٍ, أو زاغ في معتقدٍ, أو شكَّك في معلوم من الدِّين, ومرَّةً بالرَّدِّ على شبهات أهل الباطل والتَّحذير من مسالكهم, وأخرى ـ إن استدعى الأمر ـ بالرَّفع إلى وليِّ الأمر ليأخذ على أيدي مثيري الفتن ومحبِّي الشَّغب ودعاة الضَّلالة لتحُلَّ السَّلامة وتؤمَّن السُّبل وتثبَّت جوانب الأمن, وإلَّا غرق الجميع في أوحال الفوضى, وصار أمرهم إلى غير انتظام.


فالعناية بأمر الدِّين ودعوة النَّاس إلى التَّمسُّك بِنُورِ الوَحْيَيْن ـ علمًا وعملًا ودعوةً ـ عصمة من الفتن والإحن, واستجلاب للسَّلم والأمن, يوفِّر على الأمَّة كثيرًا من الجهود والمساعي, ونفق الأموال الَّتي تذهب سدى لإسكات صوت, أو إخماد فتيل, أو كسب شريحة, قال شيخ الإسلام: «فإذا انقطع عن النَّاس نور النُّبوَّة وقعوا في ظلمة الفتن وحدثت البدع والفجور ووقع الشَّرُّ بينهم»([2]).


وعلى رأس هذه العناية يأتي الاهتمام بالتَّوحيد وتصحيح العقائد وتخليصها من شوائب الخرافة, وركام الأوهام, ومخلَّفات الحياة المادِّيَّة؛ إذ هو من أعظم الأسباب الَّذي يتقوَّى بوجوده استتباب الأمن وبسط السَّلم وحصول الهداية في الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّ ذلك وعد الله لمن آمن به وحده وأطاعه ولم يلبس إيمانه بظلم, كما قال عزَّ من قائل: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾ [الأنعام].


والنَّاس ـ طبعًا ـ يتفاوتون في الأمن والاهتداء بقدر تفاوتهم في تحقيق الإيمان والخلوص من الظُّلم، فإن خلص الإيمان من الشِّرك الَّذي هو أعظم الظُّلم، وخلص صاحبه من ظلم نفسه دون الشِّرك من الموبقات والمعاصي، وظلمه للعباد؛ فإنَّ هذا الصِّنف من النَّاس يحصلون على الأمن التَّامِّ في الدُّنيا، وعند الموت، وبعد الموت في البرزخ ويوم القيامة، وهم الَّذين وصفهم الله بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31)﴾ [فصلت].


إنَّ نعمة الأمن لهي من أعظم النِّعم على الخلق حقًّا وصدقًا، تستوجب منَّا جميعًا الحفاظ عليها، وتهيئة الأسباب لبقائها، وبذل الجهود للاستزادة منها؛ إذ لا يُتصوَّر عيش رغيد، وأوضاع مستقرَّة، وأرزاق مغدقة، وعبادة مُثلى إلَّا في كنف الأمن وأجوائه الهادئة، كما هو موعود به في آيات الله لمن أقام التَّوحيد وحقَّق الإيمان، كقوله تعالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55] وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) ﴾ [الأنفال]، وقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: 112] وقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) ﴾ [قريش] وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا﴾ [إبراهيم: 35].


فهذا الرَّبط العجيب بين الأمن والإيمان فيه دلالة على أنَّ الأمن يهتف بالإيمان وإلَّا ارتحل، ويستنجد بأهله وإلَّا اضمحلَّ، فالقلوب تجتمع وتتآلف بالإيمان والأمن، والصَّفُّ يلتئم، والكلمة تتوحَّد، والنُّفوس تأنس بالصُّلح والأمن، والبعدِ عن الفتن ما ظهر منها وما بطن.


كان معاوية رضي الله عنه يقول: «إيَّاكم والفتنة فلا تهمُّوا بها، فإنَّها تفسد المعيشة وتكدِّر النِّعمة وتورث الاستئصال([3])، وفي قول معاوية هذا تحذير من التَّرويج للفتنة ـ وهي كلُّ ما خالف الإيمان وناقض العقيدة ـ والتَّمكين لدعاتها من أن يكون لهم قدم ضغط ولسان توجيه في الأمَّة، فإنَّهم لا يزيدونها إلَّا خبالًا، ولا يورِّثون أجيالها إلَّا النَّغص والنَّكد.


إنَّ نعمة الأمن لا تقدَّر بثمن، ولا تُشترى برخيصٍ أو حقير: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ [الأنفال: 63]، ولا يشعر بها النَّاس إلَّا إذا فقدوها أو سُلبوها، وحلَّ مكانها نقمة الخوف والذُّعر، فحينئذٍ تختلُّ المعايش وتضيق الأرزاق، وتجفُّ منابع الخير فلا تصل إلى أهلها، وتقلُّ دروب المعروف ويقصر حبلُها، وربَّما هُجرت الدِّيار، وشُتِّت شمل الأسر، وطمع العدوُّ في الأوطان، ونُزِعت من بين يديه خيراته وثرواته، وما إلى ذلك من أنواع الهوان وعلامات الخذلان الَّتي تُصيب كلَّ مستهترٍ بأمن الأمَّة، ناقمٍ على دينها وهويَّتها.


إنَّ على النَّاس اليوم إذا أرادوا أن يحيوا مفهوم الأمن في نفوس من فقدوه، أن يعودوا بهم إلى آداب الإسلام وأحكامه، بدءًا بتعليم الإيمان الَّذي من شرائعه إفشاء السَّلام؛ عنوان الأمن والرَّحمة والاطمئنان، وفي الحديث: «أَفْشُوا السَّلَامَ تَسْلَمُوا»([4])، ومحبَّة الخير للنَّاس وكفُّ الأذى عنهم، فالمؤمن كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَمِنَهُ المُؤْمِنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ»([5]), وانتهاءً برفع أسباب الرَّوع وأساليب القمع بين بني الإسلام, رافعين شعار السُّنَّة: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا»([6]).


فالوطن لا يبقى وطنًا يُحبُّ ويُدافع عنه إلَّا إذا شعر أبناؤه بالأمن, يغمر ربوعه ويحرس حدوده, وخلِّي بينهم وبين خالقهم ليوحِّدوه ويعبدوه ويقيموا شرعه الَّذي لا غنى لهم عنه, والمكان إنَّما يَفْضُلُ غيره من الأماكن بتوحيد الله والأمن فيه, والأرض لا تقدِّس أحدًا وإنَّما يقدِّس النَّاسَ أعمالُهم, ومن أجلِّها عبادة الله وتعظيم شعائره, فبلد الله الحرام جعله الله مثابةً للنَّاس يفدون إليه من كلِّ فجٍّ عميق, لما تميَّز به من التَّمكين لعبادة الله وتوحيده في أشرق صوره وأسمى معانيه, ولما يتمتَّع به من الأمن المبثوث في جنباته وبين عرصاته: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) ﴾ [العنكبوت]، ﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) ﴾ [القصص].


إنَّ الخسران كلَّ الخسران، والكسر الَّذي لا ينجبر، هو أن تصاب الأمَّة في عقيدتها، وتضطرب في توجيهها، وتهتزَّ في قيمها، ويُتنكَّر لهويَّتها، وحينئذٍ ـ لا قدَّر الله ـ لا تفقد الأمن وحده، ولكن تفقد الوجود كلَّه، وتخسر الكيان أجمعه، والله المستعان.


* * *

([1]) نشر في مجلَّة «الإصلاح»: العدد (25)/جمادى الأولى ـ جمادى الآخرة 1432هـ.
([2]) «مجموع الفتاوى» (17/310).
([3]) «تاريخ دمشق» (59/154).
([4]) رواه أحمد (18530) وهو حسن.
([5]) رواه أحمد (6925) وإسناده صحيح.
([6]) رواه أبو داود (5004), وصحَّحه الألباني في «غاية المرام» برقم (447).