هل يحاسب الكفار يوم القيامة؟


 


الحساب لغةً: هو العدد.


وشرعًا: إطلاع الله تعالى عبادَه على أعمالهم.


وهو ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع.


 


فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُ ﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].


ومن السُّنة: حديث عائشة - رضي الله عنها - المتفق عليه، قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ إِلَّا هَلَكَ" قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾، قَالَ: " ذَاكَ الْعَرْضُ يُعْرَضُونَ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ "[1].


 


والمقصود أن العبد إذا حوسب حسابًا دقيقًا على إعماله التي لا بد لها من قبول من الله - جلَّ وعلا - هلك، لأنّ أعماله لا تنجيه إلا برحمة الله - جل وعلا-، ونسأل الله من واسع فضله.


 


وأجمع المسلمون على ثبوت الحساب يوم القيامة، ويستثنى من ذلك السبعون ألفًا؛ كما سيأتي.


 


وهل يحاسَب الكفار؟


هذه المسألة من المسائل الخلافية.


 


قيل: إنهم لا يحاسبون؛ لأن أعمالهم باطلة حابطة؛ فلا فائدة من حسابهم وسؤالهم.


 


وقيل: إنهم محاسبون، وذلك لعدة حِكَمٍ - سيأتي بيانها -، وأعمالهم موزونة؛ لأجل تقرير أعمالهم، وبيان عدل الله - تعالى- فيها لا لأجل مكافئتهم بالحسنات؛ لأنها لن تقبل - كما تقدم بيانه - بل ستذهب سدى، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ .


 


والحكمة من حسابهم، عدة أمور:


الأمر الأول: إقامة الحجة عليهم، وإظهار عدل الله - تعالى- فيهم.


الأمر الثاني: توبيخهم، وتقريعهم.


الأمر الثالث: لأنهم مكلفون بأصول الشريعة، قال تعالى:﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾ [المدثر:42-47].


 


والكفار يتفاوتون في كفرهم، وذنوبهم وحينئذ سيتفاوتون في دركات النار، ولذا قال الله - تعالى- عن المنافقين: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴾ [النساء:145].


 


سُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " عَنْ الْكُفّار: هل يحاسبون يوم القيامة أم لا؟


فَأَجَابَ: هذه المسألة تنازع فيها المتأخرون من أصحاب أحمد وغيرهم، فممن قال: إنهم لا يحاسبون: أبو بكر عبد العزيز، وأبو الحسن التميمي، والقاضي أبو يعلى، وغيرهم. وممن قال: إنهم يحاسبون: أبو حفص البرمكي من أصحاب أحمد، وأبو سليمان الدمشقي، وأبو طالب المكي.


 


وفصل الخطاب: أن الحساب يراد به عرض أعمالهم عليهم وتوبيخهم عليها، ويراد بالحساب موازنة الحسنات بالسيئات.


 


فإن أريد بالحساب المعنى الأول، فلا ريب أنهم يحاسبون بهذا الاعتبار.


 


وإن أريد المعنى الثاني، فإن قصد بذلك أن الكفار تبقى لهم حسنات يستحقون بها الجنة، فهذا خطأ ظاهر.


 


وإن أريد أنهم يتفاوتون في العقاب، فعقاب من كثرت سيئاته أعظم من عقاب من قَلَّتْ سيئاته، ومن كان له حسنات خفف عنه العذاب، كما أن أبا طالب أخف عذابًا من أبي لَهَب.


 


وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ ﴾، وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ﴾، والنار دَرَكَات، فإذا كان بعض الكفار عذابه أشد عذابًا من بعض؛ لكثرة سيئاته، وقلة حسناته كان الحساب لبيان مراتب العذاب، لا لأجل دخولهم الجنة. " أ. هـ[2].


 


وهل الجن يحاسبون؟


لأنهم مكلفون، يدخل كافرهم النار بالنَّص، والإجماع، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقوله: ﴿ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ ﴾ [الأعراف: ٣٨]، ويدخل مؤمنهم الجنة، وهو قول جمهور العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ﴾ [الرحمن: ٥٦]، ولعموم قوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ [الرحمن: ٤٦].


 


وهل البهائم تحاسب؟


تقدم في مباحث (الحشر) أنه يكون بين البهائم قصاص فيقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء وتقدَّم، أن هذا القصاص ليس قصاص تكليف، وإنما هو قصاص مقابلة، وأما حساب التكليف فلا تحاسب؛ لأنه لا تكليف عليها، وتقدم أن هذا اختيار النووي، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين - رحمه الله تعالى- "[3].


 


مستلة من: "فقه الانتقال من دار الفرار إلى دار القرار"

[1] رواه البخاري برقم (4939)، رواه مسلم برقم (2876).

[2] انظر: مجموع الفتاوى (4 /305).

[3] انظر: شرح العقيدة الواسطية لشيخنا (ص512 ).