الشيخ د. عبد الله بن محمد الجرفالي

من أشراط الساعة الصغرى

ظهور الخسف والمسخ والقذف


الحمد لله: الحمد لله الذي استأثر بعلم الساعة فأخفاه عن جبريل وعن سيّد الأوّلين والآخرين بل عن الخلق أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله سُئل عن الساعة فاعتذر، فعلم أنها قد أخفيت عن غيره من الملك أو الجن والبشر، فصل اللهم وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه عدد ما خلقت من شجر وحجر ومدر، أمّا بعد:


فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.


 


أيّها المؤمنون: يقول ربنا: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾[1]، ومن علم الغيب الذي استأثر الله به فلم يطلع عليه أحداً من خلقه علم الساعة قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾[2]. ويقول عز وجل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾[3].


 


لقد أخفى الله العليم الخبير علم الساعة عن أحب الخلق إليه، وهما جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فمن باب أولى لا يعلمها غيرهما. ففي الصحيحين لما سأل جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة. قال عليه الصلاة والسلام: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"[4]. ولله الحكمة البالغة، ولقد أخبر العليم الخبير عن زوال الدنيا وفنائها فقال سبحانه: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ [5].


 


وأكد سبحانه وقوع الساعة بقوله: ﴿ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾ [6]. ومن رحمته بالعباد أن جعل للساعة أمارات وعلامات بين يديها هي دلائل على قرب وقوعها أو تحقق حدوثها. ألا فليعلم كل إنسان أنه راحل وأن الدنيا زائلة وفانية، وأن القيامة موعده مهما عمّر أو طغى وأجرم وتكبر.


 


ولقد أخبرنا رسولّنا صلى الله عليه وسلم عن علامات الساعة، فمنها ما يدل على قرب وقوعها، وهي العلامات الصغرى، ومنها ما يكون بين يديها تنهال متتابعة وعندها تقوم الساعة، وهي العلامات الكبرى.


 


وسوف يكون حديثنا - إن شاء الله تعالى - من خلال سلسلة الخطب القادمة عن بعض أمارات الساعة الصغرى. وعنوان خطبتنا هذه الجمعة " الخسف، والمسخ، والقذف " من علامات الساعة.


 


أيها المؤمنون: إن الخسف، والمسخ، والقذف، واقعٌ في هذه الأمة لا محالة، وذلك عندما تنتشر المعاصي ويجاهر الناس بها، وينغمسون في الشهوات والملذات، عندها يحلّ بهم ما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم، فيخسف بالدار والدور، ويخسف بالقبيلة، ويمسي أناس على اللهو والمعازف والغناء والفجور والخنا ويصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير، ولقد وقعت خسوفات في هذه الأمّة وسيقع الآخر كما أخبر رسولنا صلى الله عليه وسلم لا يتأخر منه شيء. وكل ذلك إشارة إلى قرب الساعة لعل الإنسان أن يعتبر، ويكف عن جرمه وذنبه وينزجر، ثم إذا كانت العلامات الكبرى وقعت خسوفات ثلاث عظام: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب.


 


في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذيّ - رحمه الله - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يكون في آخر الأمة خسف، ومسخ، وقذف، فقالت عائشة - رضي الله عنها -: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا ظهر الخبث"[7].


 


وعند أحمد: "لا تقوم الساعة حتى يُخسف بقبائل، فيقال: من بقي من بني فلان؟"[8].


 


وروى الترمذي - والحديث صحيح - عن عمران بن حصين رضي الله عنهأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "في هذه الأمة خسف، ومسخ، وقذف، فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذلك؟ فقال: إذا ظهرت القيان والمعازف، وشربت الخمور"[9].


 


وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليشربنَّ أناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها، وتضرب على رءوسهم المعازف يخسف اللَّه بهم الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير"[10]. وهو مسخ حقيقي واقع لهؤلاء لا محالة كما أخبر العزيز الجبار عن أسلافهم بقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ [11].


 


أيّها المؤمنون: لقد وقع الخسف قديماً وحديثاً، وسيقع كذلك مستقبلاً، ولقد رأينا قبل فترة من الزمن أناساً في بلد من البلدان كانوا يرقصون ويلعبون ويغنون، فبينما هم في غمرتهم يعمهون، وفي فحشهم وسكرهم منغمسون إذا بالجبّار يأمر أرضه أن تبتلعهم فنُفّذ الأمر، وخسف بهم والنّاس ينظرون، وقد تناقلت هذا الحدث وسائل الإعلام بأنواعها، ورأى القاصي والداني ذلك وهو موجود إلى الآن قد سجل في بعض أشرطة الفديو. آية عظيمة، وقد وضعت الجهة التي قامت بالتقاط الحدث حاجباً على نسائهم العاريات العاهرات، فبينما هم يرفعون أحدهم على رؤوسهم فرحاً وطرباً وسكراً وفحشاً وخنا، وإذا بالأرض تنشق من تحتهم وإذا بهم في بطنها في طرفة عين، فلا إله إلا الله. إنها آية فأين المعتبرون؟ آية فأين الذين في الشهوات والملذات ينغمسون؟ آية فأين الذين بالغناء والربا والزنا يجاهرون؟ آية فأين الذين على الفضائيات ومتابعة العاهرات يسهرون؟.


 


أيّها المؤمنون: لقد انتشرت المراقص في البلدان الإسلاميّة، واختلط الرجال بالنساء وجاهروا بمعصية الله على رؤوس الأشهاد، وتناقلت وسائل الإعلام ذلك ونشرته بين المسلمين حتى دخلتْ في بيت كل مسلم تقريباً. ألا فليعلم من كان حياً أن لله أخذاتٍ، وأنه يغار عز وجل إذا انتهكت محارمه وضيعت حدوده. وإن من أعظم الرزايا وأشد البلايا أن ترى المسلم يعيش متابعاً لمثل هذه المراقص الساقطة، أو يسافر ليرى دور السينما الصاخبة. أفلا يخشى من يفعل ذلك أن يخسف الله به كما خسف بغيره؟ أفلا يعتبر بغيره أم أنه يرغب ويحب أن يكون عبرة لغيره؟.


 


ألا فاتّقوا الله عباد الله واعلموا أنّ النّجاة من عذاب الله في الدنيا والآخرة هو بالتمسك بطاعة الله، والابتعاد عن الحرام وأهله. اللهمّ إنّا نسألك إيماناً تثبت به أقدامنا، وتطمئنّ به قلوبنا، وتنشرح به صدورنا، ونزداد به حبّاً لك وطاعة وقربة.


• • •


 


الحمد لله الحليم، الحمد لله العظيم، الحمد لله السميع العليم لا يخفى عليه شيء من أمر ملكه، والكون كله ملكه وتحت قهره، وأشهد أن لا إله إلا هو وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله صلّى الله وسلّم عليه وعلى آله وصحبه. أمّا بعد:


يقول الله عز وجل: ﴿ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [12].


 


فإذا كان الخسف، والمسخ، والقذف واقع لا ريب فيه، فلابدّ أن تعلم أيّها المسلم أن لكل شيء سبباً، وسبب ذلك الذنوب والمعاصي. ومنْ أعظمها: ظهور المعازف، وانتشار الزنا.


 


ولا شك أن الزنا جريمة، وعواقبه وخيمة على الفرد والمجتمع. وللأسف وجد من ينادي به في البلدان الإسلامية، حتى يعلن عنه في بعض البلدان، أو يسمى بغير اسمه، ومثله تماماً اللواط.


 


فهاتان الفاحشتان ما ظهرت في أُمّة إلا حلّت بها العقوبة. ولكل واحدة منهما سبب.


 


ورأس البلاء، ومفتاح الفواحش والخنا هو النظر المحرّم في شاشة أو صورة أو امرأة أو شاب حتى يجره ذلك للوقوع في الفاحشة.


 


فاتقوا الله أيها المؤمنون، وربوا أنفسكم وأبناءكم وفتياتكم على الحشمة والعفة، وتذكروا ما نزل بأسلافكم، واحذروا أن ينزل بكم.


 


وأما المعازف والغناء فهي بلاء وأي بلاء، وظهورها علامة من علامات قرب الساعة، وهذا هو حديثنا - إن شاء الله - في خطبة الجمعة القادمة.


[1] سورة الأنعام: آية 59.

[2] سورة لقمان: آية 34.

[3] سورة الأعراف: آية 187.

[4] أخرجه البخاري في صحيحه (4 / 1793) رقم 4499، ومسلم في صحيحه (1 / 36) رقم 8.

[5] سورة الرحمن: آية 26.

[6] سورة الحج: آية 7.

[7] أخرجه الترمذي في سننه (4 / 479) رقم 2185.

[8] أخرجه أحمد في مسنده (3 / 483) رقم 15998.

[9] أخرجه الترمذي في سننه (8 / 414) رقم 2373.

[10] أخرجه البيهقي في سننه (10 / 221)رقم 21517.

[11] سورة البقرة: آية 65.

[12] سورة النحل: آية 45 -47.