الحمد لله الذي أشرقت بنوره الظلمات وقامت به الأرض والسموات، فله الحمد حتى يرضى وله الشكر على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، والصلاة والسلام على خير الأنام محمد المصطفى، وصحبه أُلي الفضل والوفا، ومن سار على منهاجه واقتفى ، وبعد:

    أهمية الموضوع : كرم الله تعالى الانسان في قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ الإسراء :70 ، و ممّا لا يخفى على ذي لب ما لقضية العنف ضد المرأة من أهمية كبيرة في القرآن الكريم ، الذي أكرم المرأة ووضعهـا في أعلى درجـات الاحترام والسموّ ، أما العنف فهو ظاهرة إنسانيّة ليست حكراً على شعب من الشعوب ولا جنس من الأجناس، فمنذ بدء الخليقة كان العنف يمارس من الرجال ضد النساء والعكس ...

    تُركِّز هذه الدراسة على الإجابة على التساؤل:

    1. ما موقف القرآن الكريم من العنف ؟

    2. ما موقف القرآن الكريم من العنف تجاه المرأة ؟

    3. ما حقوق المرأة التي ضمنها القرآن الكريم لها ؟

    4. ما الأساليب التي اعتمدها القرآن الكريم لتحقيق حقوق المرأة ؟

    5. ما الآراء الفقهيّة التي تحرم اللجوء الى العنف ضد المرأة ؟

    العنف في اللغة، عَنفَ به، وعليه – عُنفاً وعنافة، اخذة بشدة وقسوة، ولامـه فهو عنيف والعنف ضد الرفق

    العنف في الصطلاح : يواجه القارئ صعوبة في التوصل الى تعريف جامع مانع لمفهوم العنف، كونه ظاهرة مركبة وأشكالها متعددة، وأسبابها متداخلة...

    ويمكن تعريف العنف بأنه : جميع أشكال الايذاء والاستغلال ، التي تؤدي إلى ضرر جسدياً أو معنوياً بالأفراد أو الجماعات .

    تاريخ العنف : ظاهرة العنف بطبيعة الحال ظاهرة قديمة قدم الإنسانية نفسها، ومرافقة للوجود؛ لأنَّها بدأت ببدء الخليقة من خلال الصراع بين ابني آدم قابيل وهابيل. ثم تطور العنف في العصور الأخيرة لكي يصبح أكثر تنظيماً وأكثر انتشاراً ، عالماً أنّ العنف لا يحل المشاكل بل يزيدها تعقيداً، و العنف مشحون بالمشاعر السلبية التي تثقل النفس وتؤدي إلى التعاسة في الحياة .

    والعنف يحمل أوجه متعددة منها : الإرهاب، الاستبداد، الحرب، الاغتيال والاغتصاب والانتقام والثأر...، وبذلك فإنَّ مشاكل العنف، تبدو غير متناهية، فهي متجدد، بتجدد الحياة.

    مفردة العنف لا ترد في القرآن الكريم إلا أنّ هناك مفردات تدلل على مفاهيم العنف في القرآن ، علماً أنها تتنوع من جهة المدح والذم منها :

    ــ القوة :كما وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ينبغي التفريق بين استخدام القوة لرد العدوان فتسمى حينها دفاعاً، واستخدامها لضرب الآخرين يسمى عدواناً. وعلى الرغم من الاستعمال المكثف لمفردة القوّة في القرآن الكريم إلا أنَّ قرائن النص تفسر القوة بالعودة بها الى أكثر من معنى : الجد، العزم، الثقة، القدرة ، التحمل.

    ــ ومن مرادفات العنف الإرهاب: تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وهو في اللغة من : رهب، يرهب، رهبة، ورهباً، أي: خاف. وردت في القرآن الكريم بمعنى الخوف .

    ــ ومن مرادفات العنف الجهاد : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ، وغير ذلك من المفردات القرآنية التي تحمل في معانيها دلالات العنف سواء أكان الممدوح منه أم المذموم .

    القرآن والعنف :

    يوجب القرآن الكريم العدل ويحرم الظلم وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ووسم القرآن أمة الإسلام بالوسطية وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ويدعوا القرآن الكريم للسلام وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا . وقوله تعالى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ويؤكد على اللين فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ .....الخ .

    الفقهاء والعنف :

    يتناول الفقهاء معنى العنف فقهياً تحت مصطلح الإكراه ، من دون استعال مصطلح العنف إلا حديثاً ، إذ عرّف الإمام جمال الدين الاسنوي الإكراهَ بأنَّه : « إلزام الشخص شيئا على خلاف مراده »

    القرآن الكريم و المرأة :

    ذكر القرآن الكريم المرأة مراراً وتكراراً ، وسمى سورة كاملة باسم : سورة مريم ، وأخرى سورة النساء في حين لم يذكر تسمية : سورة الرجال مثلاً ، وهناك من أحصى عدد ورود مفردة الرجل في القرآن الكريم في: 24 مرة ، مساوياً لذكر المرأة: 24 مرة ، في القرآن الكريم .

    تكريم المراة :

    قال تعالى مكرماً المرأة : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا النساء :1

    و قال تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ الروم: 21

    وقد خلق الله تعالى الكون بثنائية مطردة : فجعل الليل والنهار ، والشمس والقمر ، والرجل والمرأة ، قال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌالحجرات :13 ، وقال تعالى : يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ الشورى :49 .

    المثل الاعلى للمؤمنين، إذ جعل الله تعالى المرأة قدوة لأهل الإيمان يقتدى بهنّ قال تعالى : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ التحريم :11. وفي هذه الآيات دلالة واضحة على تفنيد شبهة الخطاب الذكوري للفقه الإسلامي وغيرها من المطاعن التي توجه زوراً نحو القرآن الكريم بهضم حق المرأة والإقلال من شأنها .

    تحقيق السعادة للمرأة : من مقاصد القرآن الكريم تحقيق السعادة للمرأة ، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة : فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ طه : 40

    المساوة والمراة :

    التساوي في الحقوق : ومن الآيات العامة التي وردت في تأكيد حقّ المرأة خاصة على الرجل قول الله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ والمعنى: أي للنساء على الرجال من الحق، مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه من الحقوق والواجبات بالمعروف .

    من مقاصد القرآن الكريم عدم المفاضلة بين الرجال و النساء في الأجر ، قال تعالى : فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ آل عمران : 195

    من مقاصد القرآن الكريم : المساوة في حق الحياة ، قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى البقرة : 178 ، إذ في القصاص تتساوى حياة الرجل بحياة المرأة .

    صورة العنف المنهي عنها في القران الكريم :

    يؤكد القرآن الكريم في آيات عدة على نبذ العنف والايذاء تجاه المرأة ، مؤكداً على إكرام المرأة والنهي عن إيذائها .ومن تلك الصور :

    النهي عن إيذاء المرأة عموماً :

    قال الله تعالى‏:‏ ‏‏ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ‏‏ ‏‏الأحزاب‏:‏ 58‏.

    النهي عن الإيذاء القولي :

    قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ الحجرات: 11 .تؤكد الاية الكريمة على صون المرأة من الكلام الفاحش والبذيء والسخرية .

    النهي عن إيذاء المرأة في سمعتها :

    وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ النور: 4 ، فالآية الكريم تبين على عظيم هذا الجرم ، لما فيه من عظيم الضرر على المرأة ، ولذلك كانت العقوبة عظيمة في حق من يعتدي على سمعة المرأة تتناسب مع عظيم تلك الجريمة.

    بل أشار القرآن الكريم على ذمِ قبيح القول في التعريض بسوء السمعة : كما جاء حكاية عن اليهود في قوله تعالى : يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا مريم :28 .

    الايهام بوقع العنف تجاه المرأة في القرآن الكريم :

    من أهم الايات التي ينطلق منها الجهال والمغرضين لاتهام القرآن الكريم بالعنف تجاه المراة ، ما جاء في سورة النساء من آيات تقرر مفاهيم القوامة ونشوز المراة والرجل ، وهي :

    في القوامة ، قال تعالى : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ النساء :34، والقرآن الكريم لم يقل الرّجال سادة على النّساء في دليل آخر على تكافؤ هذه الأسرة وتعاونها ، إذ القوامة هنا تدور معانيها ومراميها حول القيادة الرشيدة والرعاية المحبة للأسرة ، ولا تعنى بأى حال الاستعلاء أو الإلغاء أو الاعتداء على المرأة أو غيرها من أفراد الأسرة .

    أما النشوز : فقد ورد في حق الرجال كما في النساء ، قوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ البقرة: 182. إلا أن النشوز عند المرأة يختلف في مراحل علاجه عن النشوز عند الرجل ، إذ علاج نشوز المرأة يمرّ بخمسة مراحل من رؤية قرآنية :

    1ـ حسن النصح والوعظ ، 2 ـ الهجر في المضاجع ،3 ـ الضرب غير المبرح ، 4ـ تحكيم حكماً من أهله وحكما من أهلها للاصلاح ، 5 ـ الطلاق حين تنتفي جميع مراحل الاصلاح ، بشروط الطلاق السنيّ ـ غير البدعي ـ الذي يكون بمثابة علاج للنشوز اكثر مما هو انفصال لا رجعة فيه ، فتطلق المرأة التطليقة الاولى بطهر مرة واحدة ولا تخرج المرأة من دار زوجها وللرجل أن يراجعها في عدتها ، وغيرها من الأحكام التي تقلل من إمضاء الانفصال بين الزوجين ، قال تعالى : فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا النساء : 35، و ليست دلالة الامر على الوجوب في قوله تعالى فاضربوهنّ وهو كقوله تعالى مثلا واذا حللتم فاصطادوا إذ لا يدل الأمر على وجوب الصيد للمحرم ، وإباحة الضرب للزوج كوسيلة علاجية قبل الطلاق بعد النصيحة والهجر ، ويذكر ابن عباس فاضربوهن :ضربا غير مبرح ولا شائن، وقال عطاء: ضربا بالسواك، وأن ولا يكون على الوجه ولا فيه كسر عظم ولا مبرح ولا يترك أثراً ، والحكمة من ذلك التربية والاصلاح فبعد الانتقال من التعامل اللفظي: من وعظ ونصيحة ، ينتقل إلى الاصلاح البدني للمرأة الناشز المتعالية عن واجباتها ،فيبتدأ بالهجران ثم الضرب غير المبرح ثم باستدعاء أهل الزوجين للاصلاح ، ثم اخيراً الطلاق ، علماً أن الأصل هو النصح وحسن المعاشرة إذ كانت آخر وصايا النبي ( استوصوا بالنساء خيرا) ، واقتداءاً بالنبي الأكرم عليه الصلاة والسلام ، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا الاحزاب :21 ، وقد روي عن عائشة قالت: (ما ضرب رسول الله شيئًا قطُّ بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا..)

    من صورة العنف المنهي عنها في القرآن الكريم : النهي عن ظلم الزوجات :

    أكد القرآن الكريم على العدل بين الزوجات واجتاب جميع مظاهر الظلم من : الايذاء والاعتداء الجسدي والنفسي قال تعالى : فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ النساء :3

    من صورة العنف المنهي عنها في القرآن الكريم :هجران الزوجة بغير حق :

    كما في قصة خولة بنت ثعلبة زوجة أوس بن الصامت حين قال لها : أنت عليّ كظهر أمي، يريد تحريمها عليه ، فأنزل الله تعالى قوله : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ المجادلة : 4 ، فرتب القرآن الكريم على مقولة أوس بن الصامت عقوبات شديدة هي : عدّ قوله من منكر القول ، وعليه تحرير رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستين مسكينا ، وما تلك العقوبات إلا دلالة على عظيم رفض القرآن الكريم لجميع أشكال العنف والإيذاء تجاه المرأة .

    من صورة العنف المنهي عنها في القرآن الكريم : الإيلاء وهو : الحلف على عدم جماع الزوجة :

    إذ رفض القرآن الكريم أن تعيش المرأة في حياة زوجية ناقصة الحقوق ، فلا يحق للزوج أن يَحرم المرأة حقها ، وإلا لولي الأمر أن يطلقها منه ، قال تعالى : لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ226 وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ البقرة 227 .

    من صورة العنف المنهي عنها في القرآن الكريم :النهي عن الاضرار بالمطلقة :

    قال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً الطلاق :1 .

    قال تعالى : ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً النساء :19.

    من صورة العنف المنهي عنها في القرآن الكريم : النهي عن الاضرار المادي للمرأة :

    قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ...النساء :1.

    من صورة العنف المنهي عنها في القرآن الكريم : الإعتداء على حق المرأة المالي :

    قال تعالى : وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا النساء :32.

    واختم بقضية المواريث التي كثيراً ما نسمع من أعداء الإسلام أنّ القرآن الكريم ظلم المرأة في الميراث ، إلا أن المتتبع لأحكام الميراث يجد أن الرجل يأخذ أكثر من المرأة في أربعة حالات ، في حين تأخذ المرأة مساوياً او أكثر من الرجل في أكثر من ثلاثين حالة :

    إذ ترث فيها المرأة أكثر من الرجل، وحالات ترث فيها المرأة ولا يرث فيها الرجل، وحالات أخرى ترث فيها المرأة مثل الرجل.

    أ- الحالات التي ترث فيها المرأة نصف الرجل حصرها القرآن الكريم في أربع حالات فقط وهي:

    1- وجود البنت مع الابن. لقوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين

    2- وجود الأب مع الأم دون وجود أولاد ولا زوج أو زوجة. لقوله تعالى فإن لم تكن له ولد وورثه أبواه فالأمة الثلث فهنا يكون للأم الثلث يتبقى للأب الثلثان

    3- وجود الأخت الشقيقة أو الأب مع الأخ الشقيق أو للأب. لقوله تعالى إن كانوا اخوة رجالا ونساء فالذكر مثل حظ الأنثيين

    4- إذا مات أحد الزوجين ووُجد ولد أو لم يوجد. لكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد ،فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ، ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين

    ب- الحالات التي ترث فيها المرأة مثل الرجل (سبع حالات):

    1- ميراث الأم مع الأب مع وجود ولد ذكر أو بنتين فأكثر أو بنت أحيانا.

    2- الإخوة للأم مع أخوات الأم.

    3- زوج وأم وإخوة للأم وأخ شقيق فأكثر.

    4- عند انفراد الرجل أو المرأة بالتركة.

    5- الأخت الشقيقة مع الأخ الشقيق.

    6- الأخت للأم مع الأخ الشقيق دون تشريك.

    7- ميراث ذوي الأرحام في حالة عدم وجود أحد من العصبة ولا أحد من ذوي الفروض.

    ت- الحالات التي ترث فيها المرأة أكثر من الرجل (ست حالات).

    لقد تطرق إلى هذه الحالات بإسهاب كبير الدكتور صلاح الدين سلطان في كتابه "ميراث المرأة وقضية المساواة" من الصفحة 32 إلى الصفحة 41، نرجع إليها في مقالات لاحقة بسبب تعقد العمليات الحسابية، نذكر منها الحالة التي خلفت فيها امرأة زوج وأب وأم وبنتان فإن الثلثين للبنتين يمكنهما من أن يأخذ أكثر من الابنان إذا وجد مكان البنتين، وكذا الحالة التي تخلف فيها امرأة زوج وأم وأخت شقيقة فإن الفارق يكون كبير جدا إذ تأخذ الأخت الشقيقة أكثر من ضعف نظيرها الأخ الشقيق.

    ث- الحالات التي ترث فيها المرأة ولا يرث فيها نظيرها من الرجال ( ثلاث حالات):

    وهذه الحالات تتميز أيضا بتعقد العمليات الحسابية، نمثل لها بالحالة التي توفيت فيها امرأة عن زوج وأب وأم وبنت وبنت ابن ترث بنت الابن بالفرض، ولو جعلنا ابن الابن مكان بنت الابن فإنه لا يرث شيئا، وكذا حالة ميراث الجدة فكثيرا ما ترث ولا يرث نظيرها من الأجداد، وقد ترث الجدة ولا يرث معها زوجها الجد.

    وعموما فإن هناك أكثر من ثلاثين حالة تأخذ فيها المرأة مثل الرجل أو أكثر منه أو ترث هى ولا يرث نظيرها من الرجال فى مقابل أربع حالات واردة على سبيل الحصر ترث فيها المرأة نصف الرجل، والأكثر من ذلك أن القرآن الكريم لم يجعل مسألة الأنصبة وتقسيم الإرث مجرد عملية تقنية حسابية خاضعة لقواعد قانونية جافة، بل إنه أمر الورثة بأن ينفقوا من المال الموروث وأن يأتوا القربى والمساكين وابن السبيل من ذلك الرزق، بل أتبع أمره بأن يقولوا لهم قولا معروفا، قولا غير مشوب بعبارة التكبر والاستعلاء وإنما قولا يستحضر الجانب الإنساني والتكافلي يقول تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا النساء:8.

    فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، والحمد لله رب العالمين .