القواعد التي يحاسَب العبادُ على أَساسها يوم القيامة [1]


هناك قواعد جاءت بها الأدلة في بيان حساب الناس يوم القيامة، فكتاب الله تعالى الذي بين أيدينا، فيه بيان ما يكون نجاة لنا في الدنيا والآخرة؛ إن استمسكنا وعملنا بما جاء به، فهو النبراس الذي نستقي منه الهداية، ومن ضمن ما جاء به: قواعد يكون عليها حساب الناس يوم القيامة، وهذا من تمام عدله جلّ في علاه؛ وهي كما يلي:


القاعدة الأولى: العدل التام:


فالله تعالى يحاسب العباد في ذلك اليوم، ويوفيهم أجورهم كاملة لا نقص فيها، ولا مثقال ذرة.


قال الله - تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء:47].


وقال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّـهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [غافر: ١٧]،


وقال تعالى: ﴿  إِنَّ اللَّـهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [النساء: ٤٠].


وقال تعالى: ﴿  وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ [النساء: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ [النساء: ١٢٤].


وقال تعالى: ﴿﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾﴾ [الزلزلة:].


 


والنصوص في إثبات هذا كثيرة مستفيضة.


ولك أن تتصور (الذرة): وهي الهباءة التي في أشعة الشمس إذا دخلت من النافذة، و(الفتيل): وهو الخيط الذي يكون في شق النواة، و(النقير): وهي النقرة الصغيرة التي تكون في ظهر النواة، فإن مقدار كل هذا لن يُفقد في ذلـك اليوم، فكيف بما فوقه؟


 


القاعدة الثانية: كل شيء يجري عليه الحساب مكتوب، ومحسوب:


قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الإنفطار:10-12].


وقال تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف:49].


 


القاعدة الثالثة: لا تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى:


فلا يؤاخذ أحد بجريرة غيره ولا بذنبه، فالضال ضلاله على نفسه، فلا يتحمل أحد ضلالته مادام غير مباشر له، أو متسبب، قال تعالى: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ [الإسراء:13-15].


 


بل إن هذه القاعدة، قاعدة اتفقت عليها الشرائع، قال تعالى: ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وفي أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ للإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى ﴾[النجم:36-41]


 


• فإن قيل: أليس من دعا إلى ضلالة يأخذ مثل آثام من أضلهم، فيحمل مثل أثقال من تبعه مع أثقاله؟


والجواب: بلى - بارك الله فيك - وقولك هذا عين الصَّواب، قال الله تعالى: ﴿  وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ [العنكبوت:13]، وقال:﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ [النحل:25].


 


ولكن المقصود بهذا: من يدعو الناس إلى ضلالة، وإلى ارتكاب إثم ويدلهم عليه، ويكون سبباً في ذلك.


 


ويدل على ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: « مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»[2].


 


وحديث جرير رضي الله عنه المتفق عليه: قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: « مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ. مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ. مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ »[3].


 


القاعدة الرابعة: إعذار الله تعالى لخلقه:


وذلك بعرض أعمالهم عليهم وهذا من تمام عدله، أن يعرض على العباد أعمالهم يوم القيامة؛ حتى لا يكون لأحد عذر بين يديه، فيطلعهم الله تعالى على ما قدموه من أعمال، قال تعالى:﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾[آل عمران:30].


 


وقال سبحانه:﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ﴾[التكوير:14]، وقال سبحانه: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ [الانفطار: 5].


القاعدة الخامسة: مضاعفة الحسنات:


فاللّـه - سبحانه وتعالى- تكرمًا منه، وفضلًا؛ يضاعف الحسنة إلى عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، فما أعظم فضل الله تعالى على عباده، قال تعالى:﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴾ [الأنعام:160].


 


وقال تعالى: ﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّـهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة:245].


 


وقال تعالى: ﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ [الحديد:11].


وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يَروي عن ربه عزَّ وجلَّ قال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ؛ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا؛ كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا؛ كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا؛ كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً »[4].


 


• وهناك أعمال يضاعف عليها الحسنات: كَـ (قراءة القرآن)، ففي الحديث الذي رواه الترمذي، وصححه الشيخ الألباني، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم:" مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؛ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ ﴿ الم ﴾ حَرْفٌ؛ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ"[5].


 


وفي(الصدقة)؛ قال اللهتعالى:﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة:261].


وفي (الصوم)؛ جاء في الصحيحين من أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ. الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. قَالَ اللّهُ عزَّ وجلَّ: إِلاَّ الصَّوْمَ. فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»[6].


 


وكذا (الصبر) قال الله فيه: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر:10].


بل كل الأعمال تتضاعف، كما هو ظاهر الحديث السَّابق - نسأل الله تعالى من فضله.


 


القاعدة السادسة: تبديل السيئات حسنات:


فما أعظمها من رحمه، وما أجزله من فضل؛ يجعلك تتأمل في اسمه الكريم جلَّ في علاه، واعتلى كرمه - فله الكرم المطلق؛ قال الله تعالى: ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَـٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّـهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّـهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ [الفرقان:70].


 


وفي صحيح مسلم من حديث أَبِي ذَرَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا. رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا. فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبَهِ. فَيُقَالَ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا. وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا. فَيَقُولُ: نَعَمْ، لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً. فَيَقُولُ: رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لاَ أَرَاهَا ههُنَا»، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ"[7].


 


القاعدة السابعة: إقامة الشهود على الناس:


والله تعالى مطلع على عباده لا يخفاه شيء، ولا يحتاج إلى شهود على عباده بما فعلوه، ولكن من كمال عدله، وإقامة الحجة على الناس، والتنويع في إثبات ذلك، أقام على الناس شهودًا، وهؤلاء الشهود على عدة أنواع؛ ليكون أدعى في إقامة الحجة، ولتنوع المشهود عليهم من حيث أصنافهم:


1- شهود الملائكة:


قال تعالى:﴿ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ [ق:21].


قال ابن كثير رحمه الله عن هذه الآية: " أي ملك يسوقه إلى المحشر، وملك يشهد عليه بأعماله. هذا هو ظاهر الآية الكريمة وهو اختيار ابن جرير"[8].


 


2- شهود الرسل - عليهم السلام:


قال تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا ﴾ [النساء:41].


وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ [النحل:84].


 


3- شهود أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الخلق:


وذلك حينما تشهد الرسل على أقوامهم، فيكذبونهم وينكرون ما جاءت به الرسل كما كذبوهم في الدنيا، ويقولون ما جاءنا من نبي، فتقوم أمة محمد فتشهد للرسل، قال الله تعالى: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُـونُوا شُهَـدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَـوْلَى وَنِعْـمَ النَّصِيرُ ﴾ [الحج:78]، وقال: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة:143].


 


وفي صحيح البخاري من حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: « يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ فَيَقُولُ اللَّهُ تعالى هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ، فَيَقُولُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، وَأُمَّتُهُ؟ فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهُوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾، وَالْوَسَطُ: الْعَدْلُ»[9].


 


4- شهود نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على أمته:


قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143].


وقال تعالى: ﴿ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ ﴾ [الحج:78].


 


5- تشهد الأرض بما عُمل عليها:


فحتى الجمادات تشهد أيضا، قال تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ¹ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا ﴾[الزلزلة:4-5].


 


6- شهود الجوارح على أهلها من الكفار:


وتقدَّم بيان هذه الشهادة، والاستدلال لها في بيان حال الكفار يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [فصلت:19-21].


 


7- الشهادة على النفس:


ومن ذلك حال الكفار حينما يشهدون على أنفسهم بالكفر، قال الله تعالى: ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ ﴾ [الأنعام:130].


 


8- وأعظم شهادة: شهادة الله تعالى على عبده:


فما أعظمها من شهادة في كل كبير، ودقيق في حال الإنسان، فما أعظم الله، وما أعظم إحاطته - جلّ في علاه - حيث قال: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْـزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقـَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَـاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْـبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِـينٍ ﴾ [يونس:61]، وقال: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ﴾ [فصلت:53].


 


فأي شهادة ستلقاها على حركاتك وسكناتك، بل في كل شأن من حياتك وعمل؟ وأي مراقبة تستشعر وأنت في دنياك؟ إنَّه ربك الذي أحاط بكل شيء علما؛ فاقدره حقَّ قدره.


 


القاعدة الثامنة: إقامة الميزان ووزن الأعمال:


وسيأتي الكلام على الميزان في تفصيل مستقل في فصله بإذن الله تعالى، هذه هي القواعد التي تكون في الحساب - نسأل الله تيسير الحساب -.


 

مستلة من: "فقه الانتقال من دار الفرار إلى دار القرار"

[1] انظر: هذه القواعد في كتاب القيامة الكبرى للشيخ الدكتور عمر الأشقر فقد أجاد في بسط أحوال القيامة، ومن باب عدم إجحاف أهل الفضل فضلهم فإني استفدت منه كثيرا في هذه الوريقات التي بين يديك لاسيما ما يتعلق بيوم القيامة، ومن ذلك هذه القواعد التي يحاسب العباد على أساسها وتصرفت فيما ذكر وزدت - نسأل الله الإعانة والسداد ويُسْر الحساب-.

[2] رواه مسلم برقم (2674).

[3] رواه مسلم برقم (1017).

[4] رواه البخاري برقم (6491)، رواه مسلم برقم (131).

[5] رواه الترمذي برقم (2910)، وصححه الشيخ الألباني.

[6] رواه البخاري برقم (1904)، رواه مسلم برقم (1151).

[7] رواه مسلم برقم (186).

[8] انظر: تفسير ابن كثير على هذه الآية (4 / 225).

[9] رواه البخاري برقم (3339).