قال العلامة الشيخ زيد المدخلي رحمه الله:


 


"والناس في الإعراض متفاوتون، حتى من جملة المسلمين من يعرض عن التفقه في الدين فتراه يصلي ويصوم ولكن بدون علم فيكون كثير الخطأ في صلاته، وكثير الخطأ في صومه، وفي بيعه وشرائه بسبب أنه ما تتلمذ على المعلمين الذين يبينون للناس ما أنزله الله على نبيه -عليه الصلاة والسلام- فيكون محروماً من أشياء كثيرة جدا, وإن كان من جملة المسلمين الجاهلين الذين أُمروا أن يبادروا بالسؤال للعلماء.


 


لذا فالمسلمون في أمس الحاجة إلى التعلم والتفقه في دين الله، وهو دليل وعلامة على الصلاح والفلاح، والإعراض عنه علامة على الخيبة والخسران كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين." هذا المنطوق، من أراد الله عز وجل به خيراً لأنه  أهل لذلك ومحلّ الخير هداه الله ليتفقه في الدين؛ ويسأل العلماء ويجالسهم ويبحث ويكوّن لنفسه مكتبة منزلية في البيت منوعة في مقدمتها: القرآن الكريم، وكتاب التفسير من التفسير بالأثر، وكتاب حديث، بل كتب يختارها أهل العلم له، وكتاب في السيرة النبوية، وكتاب في التربية الإسلامية، وكتاب في الفقه كعمدة الأحكام مثلا، والحقيقة أن كل مسلم يحتاج إلى مكتبة منزلية سواء يقرأ أو لا يقرأ، إن كان يقرأ فالحمد لله وإن كان غير قارئ فالقراء كثير، إن زاره قارئ طلب منه أن يقرأ عليه في كتاب أو نشأ من الأسرة قارئا أو قارئة فيستفيدون ويُفيدون، والمحروم هو الذي يُعرض عن التفقه في الدين، وذلك علامة الضلال والخيبة لأن مفهوم الحديث أن من لم يرد الله به خيرا لا يفقه من دين الله شيئاً، وذلك بسبب إعراضه، وكل من الخير والشر سببه المكلف وهو مقدر من الله عز وجل كما هو عقيدة أهل السنة والجماعة؛ لكن يأتي من المكلف الذي أعطاه الله وزوده بوسائل يستطيع بواسطتها فعل الخير وترك الشر بفعل الطاعة وترك المعصية، فأدلته قائمة قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتَاهُم تَقْوَاهُم} (محمد:17) لأنهم أتوا بأسباب الهداية {إنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} (الكهف:107) وقال فيمن أتى بأسباب الزيغ {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ} (الصف:5) والعياذ بالله.


 


فالسبب يكون من المكلف الذي أعطاه الله وسائل العمل من الحواس والجوارح المتحركة ولم يكله إلى ذلك؛ بل أرسل الله إليه رسولا وأنزل عليه كتابا فيه تبيان كل شيءٍ، كما قال الله تعالى في نعت القرآن الكريم: {تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل:89)


فمن أحبه طلبه وتعلمه وعقله، وعمل بما فيه، وطلب سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ نصيبه منها علماً وعملاً."


 


المصدر: نزهة القاري في شرح كتاب العلم من صحيح البخاري: ص. 36-37