ثالثًا: نزول عيسى -عليه السلام-:

بعد خروج الدجال وإفساده في الأرض يبعث الله عيسى -عليه السلام- فينزل إلى الأرض، ويكون نزوله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشام وعليه مهروذنان ( ) واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان اللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه. ويكون نزوله على الطائفة المنصورة التي تقاتل على الحق وتكون مجتمعة لقتال الدجال. فينزل وقت إقامة الصلاة يصلي خلف أمير تلك الطائفة.

وقد وردت الأدلة من القرآن والسنة على نزول عيسى -عليه السلام.

فمن القرآن قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) روى الإمام أحمد بسنده إلى ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير هذه الآية (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) قال: هو خروج عيسى بن مريم -عليه السلام- قبل يوم القيامة.

ومن الأحاديث: ما رواه الشيخان عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلاً، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الحرب ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها» ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا.

ويحكم عيسى -عليه السلام- بالشريعة المحمدية، ويكون من أتباع محمد صلي الله عليه وسلم فإنه لا ينزل بشرع جديد؛ لأن دين الإسلام خاتم الأديان وباق إلى قيام الساعة لا ينسخ، فيكون عيسى -عليه السلام- حاكمًا من حكام هذه الأمة, ومجددًا لأمر الإسلام إذ لا نبي بعد محمد صلي الله عليه وسلم. روى الإمام مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «كيف أنتم إذ نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم».

والذي يدل على بقاء التكليف بعد نزول عيسى -عليه السلام- صلاته مع المسلمين وحجه وجهاده للكفار.

فأما صلاته فقد سبق في الحديث، وكذلك قتاله للكفار وأتباع الدجال، وأما حجه ففي صحيح مسلم عن حنظلة الأسلمي قال: سمعت أبا هريرة -رضي الله عنه- يحدث عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده ليهلنَّ ابن مريم بفج الروحاء حاجًا, أو معتمرًا, أو ليثنيهما» أي يجمع بين الحج والعمرة.

وزمن عيسى بن مريم -عليه السلام- زمن أمن وسلام ورخاء، يرسل الله فيه المطر الغزير، وتخرج الأرض ثمراتها وبركتها ويفيض المال، وتذهب الشحناء والتبغض والتحاسد.

فقد جاء في حديث النواس بن سمعان الطويل, في ذكر الدجال, ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج زمن عيسى -عليه السلام- ودعائه عليهم وهلاكهم، وفيه قوله صلي الله عليه وسلم: «ثم يرسل الله مطرًا لا يكُنُّ منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة ( ) ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردَّي بركتك. فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرَّسل ( ) حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس» رواه مسلم.

وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «والأنبياء إخوة لعلَّات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل فيهلك الله في زمانه المسيح الدجال، وتقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم» رواه الإمام أحمد، قال ابن حجر: سنده صحيح.

وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «والله لينزلن عيسى بن مريم حكمًا عادلاً ... وليضعنَّ الجزية، ولتتركن القلاص (الناقة الشابة) فلا يُسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد» رواه مسلم.

وأما مدة بقاء عيسى عليه السلام في الأرض بعد نزوله فقد جاء في بعض الروايات أنه يمكث سبع سنين، وفي بعضها أربعين سنة.

ففي رواية الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- «فيبعث الله عيسى ابن مريم ... ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه ذرة من خير أو إيمان إلا قبضه». وفي رواية الإمام أحمد وأبي داود «فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون».