رابعًا: يأجوج ومأجوج:

يأجوج ومأجوج: اسمان أعجميان، وقيل: عربيان، وعلى هذا يكون اشتقاقهما من أجَّتْ النار أجيجًا إذا التهبت. وأصل يأجوج ومأجوج من البشر من ذرية آدم وحواء -عليهما السلام.

ويأجوج ومأجوج من ذرية يافث أبي الترك، ويافث من ولد نوح -عليه السلام-، والذي يدل على أنهم من ذرية آدم -عليه السلام- ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك والخير بين يديك، فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. قالوا: وأينا ذلك الواحد؟ قالوا: أبشروا؛ فإن منكم رجلاً ومن يأجوج ومأجوج ألف».

صفتهم: أما صفتهم التي جاءت بها الأحاديث فهي: يشبهون أبناء جنسهم من الترك الغتم المغول، صغار العيون، دلف الأنوف، صهب الشعور، عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة، على أشكال الترك وألوانهم.

وقد وردت روايات ضعيفة في صفاتهم لا داعي لذكرها. والذي تدل عليه الروايات الصحيحة أنهم رجال أقوياء لا طاقة لأحد بقتالهم. ففي حديث النواس بن سمعان أن الله تعالى يوحي إلى عيسى -عليه السلام- بخروج يأجوج ومأجوج، وأنه لا يدان لأحد بقتالهم، ويأمره بإبعاد المؤمنين من طريقهم فيقول له «حرز عبادي إلى الطور».

وقد دلت الأدلة من القرآن على خروجهم في آخر الزمان، فمن الأدلة من القرآن قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) [الأنبياء: 96-97].

وقد دلت الأدلة من السنة منها ما ثبت في الصحيحين عن أم حبيبة بنت أبي سفيان, عن زينب بنت جحش, أن رسول الله صلي الله عليه وسلم دخل عليها يومًا فزعًا يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه – وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها – قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث».

ومنها ما جاء في حديث النواس بن سمعان -رضي الله عنه- وفيه: «إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرَّز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون: فيمرُّ أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمرُّ آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحضر نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله» رواه مسلم.

وزاد في الرواية بعد قوله: «لقد كان بهذه مرة ماء»: ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دمًا. رواه مسلم.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلي الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه: «ويخرجون على الناس فيستقون المياه ويفر الناس منهم، فيرمون بسهامهم في السماء فترجع مخضبة بالدماء. فيقولون: قهرنا أهل الأرض, وغلبنا من في السماء قوة وعلوًا. قال: فيبعث الله عز وجل عليهم نغفًا في أقفائهم. قال: فيهلكهم. والذي نفسي بيده، إن دواب الأرض لتسمن وتبطر وتشكر شكرًا من لحومهم» أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. ورواه الحاكم في المستدرك، وصححه الألباني في صحيح الجامع.

وقد بنى ذو القرنين سدَّ يأجوج ومأجوج ليحجز بينهم وبين جيرانهم الذين استغاثوا به منهم كما ورد في سورة الكهف آية: 94.

والذي يدل على أن هذا السدَّ موجود لم يندك ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلي الله عليه وسلم في السدَّ قال: «يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدًا. قال: فيعيده الله -عز وجل- كأشد ما كان، حتى إذا بلغوا مدتهم وأراد الله تعالى أن يبعثهم على الناس, قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدًا إن شاء الله واستثنى. قال: فيرجعون فيجدونه كهيئته حين تركوه, فيخرقونه ويخرجون على الناس فيستقون المياه ويفر الناس منهم» رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم.