نبه ابن القيم تعالى ـ[الفوائد (ص: 81)]ـ أن أصول الذنوب والمعاصي ثلاثة:


1ـ التعلق بغير الله ومنه يأت الظلم العظيم الشرك والكفر..


2ـ القوة الغضبية ويأتي منها الظلم للناس كالقتل والاعتداءات بأنواعها والحروب.. وأصحابها أصحاب النفوس السبعية.


3ـ القوة الشهوانية ويأتي منها الفحش بأنواعه كالزنى وفعل قوم لوط والنذالة.. وتتمكن من أصحاب النفوس الكلبية.


‫وقد جمع الله تعالى هذه الثلاث في قوله من سورة الفرقان في صفات عباد الرحمن :

وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا [الفرقان: 68، 69]


‫ وبتتبع القرءان وتعليلاته وجدنا أن تلك الأصول الثلاثة المشار إليها جعل الله تعالى منشأها من نفس الإنسان وذاته :


ـ ففي الشرك وعبادة غير الله يقول عن السامري لما عبد العجل:

قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ، قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي. [طه: 95، 96]


ـ وفي الغضب وقتل النفس قال تعالى على ابني آدم هابيل قاتل قابيل :

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة: 30]

وأيضا في قصة يعقوب مع أبنائه قال تعالى:

وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف: 18]

وكرر قوله مع أخيه البشير..


ـ وفي ما يخص القوة الشهوانية فقد جاء قول امرأة العزيز دويا صريحا أن النفس هي المسولة للشر الآمرة به, قال تعالى:

وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ، وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ [يوسف: 53، 54]


‏‬ ومن هذه التصريحات القرءانية نفهم أن للنفس تسويل وتطويع وأمر بالسوء، وأما الشيطان فليس له إلا الوسوسة وهي الدعوة والتزيين..وسيتبرأ من كل متمسك بحجة شيطنته ووسوسته يوم الدين, قال تعالى:


وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم: 22]


لذلك أوضح الكتاب الكريم هذه الحقيقة أتم الإيضاح, في آيات كثيرة، وأن النفس تتحمل جرائر ما كسبت وهي المرتهنة وحدها بما عملت، قال تعالى:

بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ. [القيامة: 14 - 16]

وقال تعالى:

وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل: 118]


وقد كرر تعالى هذا المعنى في مواطن كثيرة وبطرق شتى ما يجعل التعلل بالشيطان على تأثيره في النفس تعليلا غير قائم ولا مقبول.


‫ وكيف يقبل التعلل بالشيطان وأساس الشر مغروز وكامن في النفوس لم يحتج إلا إلى حراسة من التحريك وتغليب الخير على المحل حتى يتطهر..؟!!

قال تعالى:

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا. [الشمس: 7 - 10]

وفي كلمات جامعة لمنبع الشر وأنه متأصل في طبع الإنسان وخلقته يقول تعالى:

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: 72]

ويقول:

وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا [الإسراء: 11]

ويقول أيضا:

وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء: 67]

وأيضا :

قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا [الإسراء: 100]

ومن نفس الباب:

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف: 54]


فالآيات مؤتلفة متشابهة تصب في أن الإنسان محل الغفلة والنسيان وأن نفسه هي مرتكز الهوى والعصيان.


وفي الأثر الموقوف على عبد الله بن سلام عند الآجري وغيره قَالَ :

"..فَنَسِيَ آدَمُ ، فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ ، وَعَصَى آدَمُ فَعَصَتْ ذُرِّيَّتُهُ ، وَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذريته."


وقد جعل الله تعالى للإنسان كل الوسائل للحماية من الشيطان.. فأبى إلا أن يفتح عليه الأبواب وييسر له الأسباب ليتمكن من خياله وخواطره وكوامن نفسه وأدوائه.


وأعظم أسباب تسليط الشيطان على الإنسان الكفر وترك الإيمان قال تعالى:

يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 27]

وبعدما نبه سبحانه لمداخله التي انحصرت في بابين:

ـ الشهوات وهي أمره بالسوء والفحشاء.

ـ والشبهات وهي القول على الله تعالى بغير علم.

بين سبحانه أن الولاية تحصل بالاستجابة له في ذلك فقال:

فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الأعراف: 30]

والعرب في الجاهلية كانوا على الضلالة قد استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله وصخرهم لعبادته بعد ولايته

قال تعالى:

أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [يس: 60 - 62]


فمن أضله الشيطان فإنما يضله لأجل ترك عبادة الله وولايته وترك الاستجابة لداعيه القرءان.

قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ، وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: 24، 25]

والفتنة انطماس النور وموت القلوب وانتشار الفساد..حذر الرب تعالى منها تذكيرا بأصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ماقام إلا وقام به الدين وأن الذين ظلموا متى تركوا الاستجابة فإنها تصيبهم وتصيب من سكت عنهم ولم يقم بواجب نصحهم وتذكيرهم..ثم ختم الآية بالترهيب من شدة عقابه وتناهيه في الإيلام..

قال الحافظ ابن كثير :

"..عن ابن عباس ، في تفسير هذه الآية : أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين ظهرانيهم إليهم فيعمهم الله بالعذاب .

وهذا تفسير حسن جدا ؛ ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) هي أيضا لكم ، وكذا قال الضحاك ، ويزيد بن أبي حبيب ، وغير واحد . "اهـ

وخلاصة الآيتين أنهما مترابطتان كالشرط مع جزائه فمتى حصلت الاستجابة لله ورسوله حصلت الحياة واتقيت فتنة الشرك وشعبه الموصلة إليه ومتى لم تحصل الاستجابة وقع الموت بأبشع ما يكون ولم تجد الفتنة إلى قلوب الناس ما يمنعها وحينها تحق العقوبة الشديدة من الله تعالى للجميع جزاء وفاقا.


ومن هنا كان الشرك سببا أصيلا في تسلط الشيطان وولايته كما كان إخلاص الدين لله تعالى وحسن التوكل عليه هو أكبر المنجيات من غوائله المزلة ووساوسه المضلة

قال العزيز الرحيم:

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: 24]

ومن الأسباب باختصار:

ـ الدعاء والضراعة.

ـ ملازمة الأذكار والأوراد والاستغفار.

ـ كثرة تلاوة القرءان ومدارسته.

ـ الصلاة مع الجماعة.

ـ صحبة أهل العلم والصلاح .

ـ التواضع للنصيحة وبذلها

ـ أعمال البر والصالحات.

وختاما ومما تقدم من تأصيل مختصر يتبين ما ظاهره المعارضة من قول موسى :

قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ [القصص: 15]

فموسى ذكر وجه قوله وعلله بكون الشيطان عدو حاقد وأنه يكيد لعدوه الإنسان فيسعى لإضلاله وذلك بالأز والتزيين للسوء والترغيب في المنكر أو بالتحريش وإيغار الصدور للكراهة والتنفير وفي كل ذلك النفس هي الوحيدة صاحبة القرار فإما تستجيب لداعيه وإما تمنع..

قال الطبري تعالى:

"يقول تعالى ذكره : قال موسى حين قتل القتيل : هذا القتل من تسبب الشيطان لي بأن هيج غضبي حتى ضربت هذا فهلك من ضربتي ، ( إنه عدو ) يقول : إن الشيطان عدو لابن آدم ( مضل ) له عن سبيل الرشاد بتزيينه له القبيح من الأعمال ، وتحسينه ذلك له ( مبين ) يعني أنه يبين عداوته لهم قديما ، وإضلاله إياهم ."اهـ

قلت :

ففي قوله "مضل مبين" بيان لنوع العمل وأنه من خارج الذات والسلطان.


والله أعلم.

وصل اللهم وسلم على نبيك محمد.