قال تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا )

وأجمع المسلمون على وجوب قطع يد السارق في الجملة .

والسارق عنصر فاسد في المجتمع ، إذا ترك ، سرى فساده في جسم الأمة ; فلا بد من حسمه بتطبيق الحد المناسب لردعه ، ومن ثم شرع الله سبحانه وتعالى قطع يده ، تلك اليد الظالمة التي امتدت إلى ما لا يجوز لها الامتداد إليه ، تلك اليد التي تهدم ولا تبني ، تأخذ ولا تعطي .

والسرقة هي : أخذ مال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه ، إذا كان هذا الآخذ ملتزما لأحكام الإسلام ، وكان المال المأخوذ بلغ النصاب ، وقد أخذه من حرز مثله ، وكان مالك المال المأخوذ معصوما ، ولا شبهة للآخذ منه .

فلا بد أن يستجمع السارق والمسروق منه والمال المسروق وكيفية السرقة أوصافا محددة تضمنها هذا التعريف ، متى اختل وصف منها ، انتفى القطع ، وهذه الأوصاف هي :

أن يكون الأخذ على وجه الخفية ، فإن لم يكن على وجه الخفية ; فلا قطع ; كما لو انتهب المال على وجه الغلبة والقهر على مرأى من الناس ، أو اغتصبه ; لأن صاحب المال حينئذ يمكنه طلب النجدة والأخذ على يد الغاشم والغاصب .

قال الإمام ابن القيم : " إنما قطع السارق دون المنتهب والمغتصب لأنه لا يمكن التحرز منه ، فإنه ينقب الدور ويهتك الحرز ويكسر القفل ، فلو لم  يشرع قطعه ; لسرق الناس بعضهم بعضا ، وعظم الضرر ، واشتدت المحنة انتهى .

وقال صاحب " الإفصاح " : اتفقوا على أن المختلس والمنتهب والغاصب على عظم جنايتهم وآثامهم لا قطع على واحد منهم ، ويسوغ كف عدوان هؤلاء بالضرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة الرادعة .

ومن الأوصاف التي توجب القطع في السرقة أن يكون المسروق مالا محترما ; لأن ما ليس بمال لا حرمة له ; كآلة اللهو والخمر والخنزير والميتة ، وما كان مالا ، لكنه غير محترم ، لكون مالكه كافرا حربيا ، فلا قطع فيه ; لأن الكافر الحربي حلال الدم والمال .

ومن الأوصاف التي يجب توافرها في القطع في السرقة : أن يكون المسروق نصابا ، وهو ثلاثة دراهم إسلامية ، أو ربع دينار إسلامي ، أو ما يقابل أحدهما من النقود الأخرى ، أو أقيام العروض المسروقة في كل زمان بحسبه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا رواه أحمد ومسلم وغيرهما ، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم .

وفي تخصيص القطع بهذا القدر حكمة ظاهرة ، فإن هذا القدر يكفي المقتصد في يومه له ولمن يمونه غالبا ; فانظر كيف تقطع اليد في سرقة ربع دينار مع أن ديتها لو جنى عليها خمس مائة دينار ، لأنها لما كانت أمينة كانت ثمينة ، ولما خانت هانت ، ولهذا لما اعترض بعض الملاحدة - وهو المعري - بقوله :

يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار

أجابه بعض العلماء بقوله :

عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري

ومن الأوصاف التي يجب توافرها للقطع في السرقة : أن يأخذ المسروق من حرز ; وحرز المال ما العادة حفظه فيه ; لأن الحرز معناه الحفظ ، والحرز يختلف باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره وقوته وضعفه ; فالأموال الثمينة حرزها في الدور والدكاكين والأبنية الحصينة وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة ، وما دون ذلك حرزه بحسبه على عادة البلد ، فإن سرقه من غير حرز ، كما لو وجد بابا مفتوحا ، أو حرزا مهتوكا ، فأخذ منه ; فلا قطع عليه .

ولا بد أن تنتفي الشبهة عن السارق فيما أخذ ، فإن كان له شبهة يظنها تسوغ له الأخذ ; لم يقطع ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم فلا قطع عليه بسرقته من مال أبيه ولا بسرقته من مال ولده ; لأن نفقة كل منهما تجب في مال الآخر ، وذلك شبهة تدرأ عنه الحد ، وهكذا كل من له استحقاق في مال ، فأخذ منه ; فلا قطع عليه ، لكن يحرم عليه هذا الفعل ، ويؤدب عليه ، ويرد ما أخذ .

ولا بد مع توافر ما سبق من الصفات من ثبوت السرقة إما بشهادة عدلين يصفان كيفية السرقة وحرزها وقدر المسروق وجنسه ; لتزول الاحتمالات والشبهات ، وإما بإقرار السارق مرتين على نفسه بالسرقة ; لما روى أبو داود أنه صلى الله عليه وسلم أتي بلص قد اعترف ، فقال له : ما إخالك سرقت قال : بلى . فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا ، فأمر به ، فقطع

ولا بد في إقراره أن يصف السرقة ، ليندفع احتمال أنه يظن القطع فيما لا قطع فيه ، وليعلم توافر شروط أو عدم توافرها .

ولا بد أن يطالب المسروق منه بماله ، فلو لم يطالب لم يجب القطع لأن المال يباح بإباحة صاحبه وبذله له ، فإذا لم يطالب ; احتمل أنه سمح به له ، وذلك شبهة تدرأ الحد .

وإذا وجب القطع لتكامل شروطه ; قطعت يده اليمنى لقراءة ابن مسعود في قوله تعالى فاقطعوا أيمانهما ومحل القطع من مفصل الكف لأن اليد آلة السرقة فعوقب بإعدام آلتها واقتصر القطع على الكف ; لأن اليد إذا أطلقت انصرفت إليه وبعد قطعها يعمل لها ما يحسم الدم ويندمل به الجرح من أنواع العلاج المناسبة في كل زمان بحسبه .


 

_____________________________________________________

الملخص الفقهي

صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين