الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله وبعد


قال تعالى (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)


قوله : ( وبرا بوالدتي ) أي : وأمرني ببر والدتي ، ذكره بعد طاعة الله ربه ; لأن الله تعالى كثيرا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين ، كما قال تعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) [ الإسراء : 23 ] وقال ( أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) [ لقمان : 14 ] .

وقوله : ( ولم يجعلني جبارا شقيا ) أي : ولم يجعلني جبارا مستكبرا عن عبادته وطاعته وبر والدتي ، فأشقى بذلك .

قال سفيان الثوري : الجبار الشقي : الذي يقبل على الغضب .

وقال بعض السلف : لا تجد أحدا عاقا لوالديه إلا وجدته جبارا شقيا ، ثم قرأ : ( وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا ) ، قال : ولا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالا فخورا ، ثم قرأ : ( وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) [ النساء : 36 ]

وقال قتادة : ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ، في آيات سلطه الله عليهن ، وأذن له فيهن ، فقالت : طوبى للبطن الذي حملك وللثدي الذي أرضعت به ، فقال نبي الله عيسى ، عليه السلام ، يجيبها : طوبى لمن تلا كلام الله ، فاتبع ما فيه ولم يكن جبارا شقيا .1


قال البغوي رحمه الله ( وبرا بوالدتي ) أي وجعلني برا بوالدتي ، ( ولم يجعلني جبارا شقيا ) أي عاصيا لربه . قيل : " الشقي " : الذي يذنب ولا يتوب .


وقال السعدي رحمه الله

ووصاني أيضا، أن أبر والدتي فأحسن إليها غاية الإحسان، وأقوم بما ينبغي له، لشرفها وفضلها، ولكونها والدة لها حق الولادة وتوابعها.

{ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا ْ} أي: متكبرا على الله، مترفعا على عباده { شَقِيًّا ْ} في دنياي أو أخراي، فلم يجعلني كذلك بل جعلني مطيعا له خاضعا خاشعا متذللا، متواضعا لعباد الله، سعيدا في الدنيا والآخرة، أنا ومن اتبعني.

نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفع بها الجميع

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين


****************************

1.تفسير ابن كثير