ما هو الحوض يوم القيامة؟

(ثبوته، وجوده، صفته)


♦ ما هو الحوض؟


♦ الحوض ثابت بنص السُّنة، والإجماع.


♦ الحوض موجود الآن.


♦ صفة الحوض.


♦ يُحرم من الحوض أقوام بَّدلوا، وغيَّروا في دين الله تعالى.


♦ الفرق بين الكوثر، والحوض.


 


ما هو الحوض؟


الحوض لغة: الجمع، ويطلق على مجتمع الماء.


وشرعًا: هو حوض النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهو مجمع ماء عظيم يرده المؤمنون في عرصات القيامة.


 


الحوض ثابت بنص السُّنة، والإجماع:


فمن الأدلة على ثبوته:


أ. حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، فَمَنْ وَرَدَهُ شَرِبَ مِنْهُ، وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا، لَيَرِدُ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ، وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ"[1].


 


ب. وحديث جندب رضي الله عنه قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ"[2]، والفرط: هو الذي يسبق إلى الحوض.


 


والأحاديث في هذا الباب كثيرة، قال ابن القيم رحمه الله: " قد روى أحاديث الحوض أربعون من الصحابة، وكثير منها، أو أكثرها في الصحيح ".


 


وقال السيوطي رحمه الله: " ورد ذكر الحوض من بضعة وخمسين صحابيًا منهم: الخلفاء الأربعة الراشدون، وحفّاظ الصحابة المكثرون، رضوان الله عليهم أجمعون ".


 


وأجمع أهل السُّنة على إثبات الحوض، وهو حوض يرده المؤمنون حينما يشتد عليهم الكرب في الموقف – كما تقدَّم- وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق مقدار ميل، فيعرق الناس، ويشتد بهم العطش، - فيا رب ارزقنا شربة هنيَّة من حوض نبيك صلى الله عليه وسلم تروي عطشنا في ذلك اليوم الشديد كربه، العظيم خَطْبُه، ولا تجعلنا من الذين أحدثوا في الدين فصُدُّوا عن الحوض -.


 


• أنكرت المعتزلة الميزان، والحوض، فلم يقولوا بثبوتهما، وأيضًا ممن أنكر الحوض: الخوارج، ويُردُّ عليهم بدلالة النَّص، والإجماع على ثبوت الحوض.


 


الحوض موجود الآن:


فالحوض مخلوق الآن، ويدل على ذلك: ما رواه البخاري من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه: " أن النَّبي صلى الله عليه وسلم خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف على المنبر فقال: "إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ"[3].


 


قال ابن حجر رحمه الله:" "وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ"يحتمل أنه كشف له عنه لمَّا خطب، وهذا هو الظاهر، ويحتمل أنه يريد رؤية القلب"[4].


 


صفة الحوض:


جاءت أحاديث تبينِّ صفة الحوض، فممَّا ورد:


حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ؛ مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنْ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا"[5]، وفي لفظ: "حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنْ الْوَرِقِ"[6].


ولمسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه مرفوعًا: "مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ"[7].


ولمسلم أيضًا من حديث ثوبان رضي الله عنه مرفوعًا: "يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ؛ أَحَدُهُمَا: مِنْ ذَهَبٍ، وَالآخَرُ مِنْ وَرِقٍ"[8]؛ أي: من فضة، ويَغُتُّ: أي يصب.


 


وجاء عند أحمد في (بيان مقداره) أنه: "كَمَا بَيْنَ عَدَنَ وَعَمَّانَ"[9]، وفي رواية أخرى: "كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى مَكَّةَ"[10].


وفي أخرى: "مِثْلُ مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَصَنْعَاءَ"[11].


ولمسلم من حديث عقبة رضي الله عنه: "وَإِنَّ عَرْضَهُ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى الْجُحْفَةِ"[12].


وعند مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَا وَأَذْرُحَ"[13]، [14].


والمسافات المحددة في الروايات السَّابقة بين هذه البلدان كلها متقاربة، توافق رواية:" مسيرة شهر".


 


إذن؛ يتلخص في صفة الحوض من الأحاديث السابقة ما يلي:


• سعته: مسيرة شهر، وهذا تحديد بالزمان، ومن أراد التحديد بالمسافة فليتأمل المسافة بين البلدان السابقة.


• لونه: أبيض من اللبن وأبيض من الوَرِق أي الفضة.


• طعمه: أحلى من العسل، ومَنْ يشرب منه لا يظمأ أبدا.


• رائحته: أطيب من ريح المسك.


• آنيته: كنجوم السماء في العدد والنور واللمعان.


• يصب فيه: ميزابان من الجنة أحدهما: من ذهب، والآخر من فضة.


 


يُحرم من الحوض أقوام بَّدلوا، وغيَّروا في دين الله تعالى:


عن أبي مليكة رضي الله عنه عن أسماء رضي الله عنها أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مِنِّي، وَمِنْ أُمَّتِي، فَيُقَالُ: هَلْ شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، وَاللَّهِ مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ" فَكَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا، أَوْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا"[15].


وفي لفظ لمسلم عن أم سلمة رضي الله عنها: "فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا"[16].


 


قال النّووي رحمه الله: "قال الإمام الحافظ أبو عمرو بن عبد البر: كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض، كالخوارج، والرَّوافض، وسائر أصحاب الأهواء، قال: وكذلك الظلمة المسرفون في جور، وطمس الحق والمعلنون بالكبائر، قال: وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر والله أعلم"[17].


 


قال القرطبي رحمه الله: " قال علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين: فكل من ارتدَّ عن دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه، وأشدهم طردًا من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم كالخوارج على اختلاف فرقها، والرَّوافض على تباين ضلالها... وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم، وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي.... "[18].


 


ونقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا بعد إذا هديتنا، أو نفتن في ديننا، أو نحدث فيه ما ليس على أمر رسولنا صلى الله عليه وسلم.


 


الفرق بين الكوثر، والحوض:


أ- أن الكوثر: في الجنة، والحوض: في أرض المحشر.


ب- الكوثر: نهر عظيم جاري فهو أصل، والحوض: مجمع ماء فرع عن الكوثر؛ لأنه يصب في الحوض ميزابان.


 


فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال عن الكوثر: "نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي الْجَنَّةِ عَلَيْهِ حَوْضٌ"[19].


 

مستلة من: "فقه الانتقال من دار الفرار إلى دار القرار"

[1] رواه البخاري برقم (7050، 7051)، رواه مسلم برقم (2290).

[2] رواه البخاري برقم (6589)، رواه مسلم برقم (2289).

[3] رواه البخاري برقم (1344).

[4] انظر: فتح الباري المجلد (11)، كتاب الرقاق، باب في الحوض.

[5] رواه البخاري برقم (6579)، رواه مسلم برقم (2292).

[6] رواه مسلم برقم (2292).

[7] رواه مسلم برقم (2300).

[8] رواه مسلم برقم (2301).

[9] رواه أحمد برقم (6162).

[10] رواه احمد برقم (6872).

[11] رواه احمد برقم (12362).

[12] رواه مسلم برقم (2269).

[13] رواه مسلم برقم (2299).

[14] و(أيلة): بفتح الهمزة، وإسكان الياء وفتح اللام اختلف في تحديدها، وذكر ابن حجر رحمه الله ؛ أن جمهور العلماء على أنها في طريق الحاج القادم من مصر إلى مكة، واختار النووي رحمه الله أنها مدينة على ساحل البحر، متوسطة بين المدينة النبوية، ودمشق، ومصر، بينها وبين المدينة خمس عشرة مرحلة.

و(عدن وصنعاء): بلدتان في اليمن، و(عمَّان): بفتح العين، وفتح الميم مع تشديدها، بلدة في الشام.

و(الجحفة): بلدة بالقرب من المدينة على سبع مراحل، وهي على طريق مكة، و(جربا وأذرح): قريتان في الشام، بينهما مسيرة ثلاث ليال.

[15] رواه البخاري برقم (6593).

[16] رواه مسلم برقم (2295).

[17] انظر: شرح النووي لمسلم المجلد الثالث، كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء.

[18] انظر: التذكرة للقرطبي (ص 306).

[19] رواه مسلم برقم (400).

الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح