كل إنسان يُبعث على ما مات عليه، نسأل الله حسن الخاتمة.


 


ويدلّ على ذلك: حديث جابر رضي الله عنه عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ"[1].


 


قال النووي رحمه الله: " قال العلماء: معناه: يُبعث على الحالة التي مات عليها"[2].


 


وقال طبيب القلوب ابن القيِّم رحمه الله عبارة عظيمة فتأملها، حيث قال: " الرجل يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه ".


 


ولهذا المعنى أدلَّة، وشواهد، منها:


1. المُحْرِم: إذا مات بُعِث يوم القيامة ملبيا ً؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين في الرجل الذي وقصته ناقته وهو مُحْرِم مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: " اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا"[3].


 


2. الشهيد: يُبْعَث يوم القيامة وجُرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، دلَّ عليه حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - المتفق عليه أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: " لاَ يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ - إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ "[4].


 


3. الغال من الغنيمة، يأتي يوم القيامة بما غَلَّ؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ [آل عمران: ١٦١].


قال القرطبي رحمه الله: " ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ أي: يأتي به حاملًا له على ظهره، ورقبته، معذبًا بحمله، وثقله، ومرعوبًا بصوته، وموبخًا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد "[5].


 


4. آكل الرِّبـا: يبعث يوم القيامة على حال معينة استحقها؛ لأكله الرِّبا، فإنه يُبعث يوم القيامة كالمجنون الذي أصابه المس؛ لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ﴾ [البقرة: ٢٧٥ ].


 


قال ابن كثير رحمه الله: " أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه، وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قيامًا منكَرًا، وقال ابن عباس: آكل الرِّبا يبعث يوم القيامة مجنونًا يُخنَق " رواه ابن أبي حاتم، قال: وروي عن عوف بن مالك، وسعيد بن جبير، والسِّدي، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان نحو ذلك"[6].


 


5. الغادر: فإنه يوم القيامة تُرْفَع له راية تبيِّن غدرته، لاسيما من كانت له ولاية عامة بأن كان سلطانًا على عامَّة الناس؛ لأنه إذا غدر فغدرَته يتعدَّى ضررها إلى خَلْق كبير.


 


ويدلّ على ذلك: حديث ابن عمر رضي الله عنهما المتفق عليه، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ"[7]، وفي رواية لمسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: " أَلاَ وَلاَ غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ "[8].


 


فالغالّ، وآكل الرِّبا، والغادر، كلها أعمال استمر عليها أصحابها حتى ماتوا، فيبعثون يوم القيامة على حال تناسب ما ماتوا عليه؛ لأنهم لو تابوا قبل الموت تاب الله تعالى عليهم، وما تقدَّم بعض الشواهد التي دلت عليها النصوص، وتبقى عموم الأعمال تدخل تحت قول النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: " يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ "[9]، ولذا ينبغي على المسلم أن يُحسِن العمل؛ لتحسن الخاتمة، فيُحسن الحال التي يُبْعَث عليها.


 


قال ابن القيِّم رحمه الله:


" وهذا من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخدعه ذنوبه عند الموت، فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنة ".


 


وقال الحافظ عبدالحق الأشبيلي رحمه الله:


" ولسوء الخاتمة - أعاذنا الله منها - أسباب، ولها طرق، وأبواب، وأعظمها: الانكباب على الدنيا، وطلبها والحرص عليها، والإعراض عن الآخرة، والإقدام، والجرأة على معاصي الله... ".


 


والكلام على الخاتمة الحسنة، والسيئة، باب تطول معه أخبار السَّلّف خوفًا، وعملًا، وضربًا لأروع الأمثال - والله المستعان -.


 


• ثم بعد البعث تبدأ أهوال ذلك اليوم، وكُرَبُه - نسأل الله تعالى تيسير ذلك، والأمن، والفوز -.


 


فيُحشَر الناس، وإليك بيان الحشر، وحال الناس فيه، وعِظَم موقفهم، وما فيه من أهوال - والله المستعان، وإليه المرجع والمآل -.


 


هل البعث إيجاد للخلق مرة أخرى؟


لابد من الإيمان بأن البعث جمع متفرق لا إيجاد معدوم، فبعث الخلق معناه: أنَّ الله تعالى يعيد خَلْقَ الإنسان الذي تفرق، وليس إيجادًا لخلق جديد.


 


ويدلّ على ذلك:


قوله تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ [القيامة: ٣، ٤].


 


وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الروم: ٢٧].


 


فالله تعالى يجمع خلق الإنسان ولو تفرَّق، وتجزَّأ في أي مكان، ولو أكلته السباع، أو حيوانات البحار، أو استحال فصار رمادًا بحرق ونحوه، فالله جامع خلقه - جل وعلا[10].


 


ففي سنن أبي داود، والترمذي، وصححه الحاكم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن عمه حمزة رضي الله عنه حين قتل في غزوة أحد: " لَوْلاَ أنْ تَجِدَ صَفِيَّةُ في نَفْسِهَا لَتَرَكْتُهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الْعَافِيَةُ حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ بُطُونِهَا"[11].


 


مستلة من: "فقه الانتقال من دار الفرار إلى دار القرار"