هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه حين جرى أمر المحكمين، واجتمعوا بحروراء من ناحية الكوفة، ورأسهم عبد الله بن الكواء، وعتاب بن الأعور، وعبد الله بن وهب الراسبي، وعروة بن جرير، ويزيد بن أبي عاصم المحاربي، وحرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثدية، وكانوا يومئذ في اثني عشر ألف رجل أهل صلاة وصيام، أعني يوم النهروان.

وفيهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: “تحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم، وصوم أحدكم في جنب صيامهم، ولكن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم” .

فهم المارقة الذين قال فيهم: “سيخرج من ضئضئ هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية”.

وهم الذين أولهم ذو الخويصرة، وآخرهم ذو الثدية، وإنما خروجهم في الزمن الأول على أمرين:

أحدهما: بدعتهم في الإمامة، إذ جوزوا أن تكون الإمامة في غير قريش، وكل من نصبوه برأيهم وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل واجتناب الجور كان إماما، ومن خرج عليه يجب نصب القتال معه، وإن غير السيرة وعدل عن الحق وجب عزله أو قتله، وهم أشد الناس قولا بالقياس، وجوزوا أن لا يكون في العالم إمام أصلا، وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبدا أو حرا، أو نبطيا، أو قريشا.

والبدعة الثانية: أنهم قالوا: أخطأ علي في التحكيم إذ حكم الرجال ولا حكم إلا الله، وقد كذبوا على علي رضي الله عنه من وجهين:

أحدهما: في التحكيم؛ أنه حكم الرجال، وليس ذلك صدقا، لأنهم هم الذين حملوه على التحكيم.

والثاني: أن تحكيم الرجال جائز؛ فإن القوم هم الحاكمون في هذه المسألة، وهم رجال، ولهذا قال علي رضي الله عنه “كلمة حق أريد بها باطل” وتخطوا عن هذه التخطئة إلى التكفير، ولعنوا عليا رضي الله عنه فيما قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين فقاتل الناكثين واغتنم أموالهم، وما سبى ذراريهم ونساءهم، وقتل مقاتلة من القاسطين، وما اغتنم ولا سبى، ثم رضي بالتحكيم، وقاتل مقاتلة المارقين واغتنم أموالهم وسبى ذراريهم.

وطعنوا في عثمان رضي الله عنه للأحداث التي عدوها عليه، وطعنوا في أصحاب الجمل وأصحاب صفين.

فقاتلهم علي رضي الله عنه بالنهروان مقاتلة شديدة، فما انفلت منهم إلا أقل من عشرة، وما قتل من المسلمين إلا أقل من عشرة، فانهزم اثنان منهم إلى عمان، واثنان إلى كرمان، واثنان إلى سجستان، واثنان إلى الجزيرة، وواحد إلى تل مورون باليمن، وظهرت بدع الخوارج في هذه المواضع منهم وبقيت إلى اليوم.

وأول من بويع من الخوارج بالإمامة: عبد الله بن وهب الراسبي في منزل زيد بن الحصين. بايعه عبد الله بن الكواء، وعروة بن جرير، ويزيد بن عاصم الحاربي، وجماعة منهم، وكان يمتنع عليهم تحرجا، ويستقبلهم ويومئ إلى غيره تحرزا، فلم يقنعوا إلا به، وكان يوصف برأي ونجدة، فتبرأ من الحكمين، وممن رضي بقولهما وصوب أمرهما. وأكفروا أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه، وقالوا: إنه ترك حكم الله، وحكم الرجال. وقيل إن أول من تلفظ بهذا رجل من بني سعد بن زيد بن مناة بن تميم، يقال له الحجاج بن عبيد الله، يلقب بالبرك، وهو الذي ضرب معاوية على أليته، لما سمع بذكر الحكمين؛ وقال: أتحكم في دين الله؟ لا حكم إلا لله، فلنحكم بما حكم الله في القرآن به، فسمعها رجل فقال: طعن والله فأنفذ! فسموا المحكمة بذلك، ولما سمع أمير المؤمنين علي رضي الله عنه هذه الكلمة قال: “كلمة عدل أريد بها جور، إنما يقولون: لا إمارة ولا بد من إمارة بر أو فاجر”.

ويقال إن أول سيف سل من سيوف الخوارج سيف عروة بن حدير، وذلك أنه أقبل على الأشعث بن قيس فقال: ما هذه الدنية يا أشعث؟ وما هذا التحكيم؟ أشرط أحدكم أوثق من شرط الله تعالى؟! ثم شهر السيف والأشعث مولى فضرب به عجز البغلة، فشبت البغلة فنفرت اليمانية، فلما رأى ذلك الأحنف مشى هو وأصحابه إلى الأشعث فسألوه الصفح؛ ففعل.

وعروة بن حدير نجا بعد ذلك من حرب النهروان وبقي إلى أيام معاوية، ثم أتى إلى زياد بن أبيه ومعه مولى له؛ فسأله زياد عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال فيهما خيرا، وسأله عن عثمان، فقال: كنت أوالي عثمان على أحواله في خلافته ست سنين. ثم تبرأت منه بعد ذلك للأحداث التي أحدثها، وشهد عليه بالكفر. وسأله عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فقال: كنت أتولاه إلى أن حكم الحكمين، ثم تبرأت منه بعد ذلك، وشهد عليه بالكفر. وساله عن معاوية فسبه سبا قبيحا. ثم سأله عن نفسه فقال: أولك لزنية، وآخرك لدعوة، وأنت فيما بينهما بعد عاص ربك. فأمر زياد بضرب عنقه، ثم دعا مولاه فقال له: صف لي أمره واصدق. فقال: أأطلب أم أختصر فقال: بل اختصر، قال: ما أتيته بطعام في نهار قط، ولا فرشت له فراشا بليل قط، هذه معاملته واجتهاده، وذلك خبثه واعتقاده.