كان الذي وقَّع العهد مع النَّبي صلى الله عليه وسلم عن يهود بني قريظة كعب بن أسد، فأتاه حُيي بن أخطب، فأغلق كعب الحصنَ دونه، فناداه حُيي: يا كعب، افتح لي، قال كعب: ويحك يا حُيي، إنَّك امرؤ شؤم، إنِّي قد عاهدتُ محمدًا، فلستُ بناقض ما بيني وبينه، ولم أرَ منه إلَّا وفاء وصدقًا، وما زال حُيي به يَحتال عليه حتى فتح له باب الحصن، ثمَّ أقنعه بنكث العهد مع النَّبي، ففعل، وبرئ ممَّا كان بينه وبين النبي من عهد، وتناهى الخبر إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلى يهود يتثبَّت من الأمر، كلًّا من سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وعبدالله بن رواحة، وخوات بن جبير، وأتَوا يهودَ بني قريظة فكلَّموهم، فوجودهم أخبثَ مما بلغهم عنهم، وقالوا: مَنْ رسول الله؟ لا عقد بيننا وبين محمد ولا عَهد، وتكلَّم معهم سعد بن عبادة، فقلبوا له ظهر المجن، ثمَّ عاد الوفد إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وأخبَروه.
 
فاشتدَّ البلاء على المسلمين من حِصار قريش ومَن معها، ومن غَدْر اليهود، ومِن أهل النِّفاق، الذين أطلُّوا برؤوسهم وجهروا بما كانوا يُخْفون من عداوة، وبدؤوا حربَ المسلمين بالإشاعات والأقاويل، فشقَّ ذلك على المسلمين، وامتدَّ الحصار عشرين ليلة، ثم تطوَّع نُعيم بن مسعود حتى استطاع أن يُخذِّل الأعداءَ عن المسلمين، فأوقع بين قُريش وبني قُريظة حتى شكَّ كل منهما في نية الآخر، واختلفتِ القلوب، وبينما هم في هذه الحالة أرسل الله تعالى ريحًا وجنودًا مِن عنده فعلتْ بهم الأهوال، حتى ما يقر لهم قِدْر، ولا تُشعَل لهم نار، ودبَّ الرُّعب في قلوبهم، فقال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنَّكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الرِّيح ما ترون، فارتحلوا فإنِّي مرتحل.
 
ثم قام إلى جمله فجلس عليه، ثمَّ ضربه فقام به على ثلاثة وفكَّ عقاله وانطلق، وتبعَتْه غطفان وبقية الأحزاب وعادوا إلى بلادهم، ونصر الله المسلمين وأيَّدهم بجنودٍ لم يروها.
استشهد من المسلمين ستة، وقُتل من المشركين أربعة.