الحمد لله رب العالمين
**التمذهب بين التدريس والإفتاء**
قال شَيْخُنا صَاْلِح بن عَبْداللهِ العُصَيْمِي -وَفَّـقَهُ اللهُ-:
ومنَ الغلط الَّذي شاع اليوم: الخلطُ بين مقام الإفتاء ومقام التَّدريس؛ فصار من النَّاس مَنْ يجعل كلَّ تدريسه إفتاءً بأن يجتهد في كلِّ مسألةٍ،
وصار يُقابلهم اليومَ مَنْ يجعل كلَّ الإفتاءِ تدريسًا، بأن لا يقبل الخروجَ عن مذهبٍ من المذاهب المتبوعة، وهَذَا غلطٌ على المذاهب كلِّها، والفقهاء كلِّهم؛
لأنَّ التَّدريس مقامٌ للمجتهد والمُقَلِّد، وأمَّا الإفتاء فمقامٌ للمجتهد فقطْ.
فالمفتي يُطلَب منه أن يجتهدَ بما ينتهي إليه عِلمُه،
وأمَّا المُدَرِّس فلا يُطلَب منه ذَلِكَ، فإذا دَرَّس مذهبًا متبوعًا بمسائله المذكورة كان هَذَا سائغًا، وأمَّا في مقام الإفتاء فلا بدَّ له أن يبذل وَسعه قدر طاقته، وقد يعجز فيُقَلِّد هَذَا المذهب.
فللعالِم أن يُقَلِّد كما سيأتي.
لكِنْ مَنْ كانت له قُدرةٌ على الاجتهاد فأفتَى فإنَّه حينئذٍ لا يُعاب.
فمَنْ يقول اليوم مثلًا: (لا أترك مذهب أبي حنيفةَ، أو مذهب مالكٍ، أو مذهب الشَّافعيِّ، أو مذهب أحمدَ؛ لأجل إفتاء مُفتي من المتأخِّرين) = فقد أخطأ؛ لأنَّ هَذَا المفتي مجتهدٌ، وأنتَ مُقَلِّدٌ، فتُقَلِّد مُفتيك.
وأمَّا في التَّدريس فَلَك ولَه أن يلتزم بتدريس المذهب المتبوع وَفْق ما هو عليه.
وإذا رأيتَ جادَّة أهل العلم من فقهاء المذاهب كلِّهم وجدتَ أنَّهم إذا دَرَّسوا الفقه أو صَنَّفوا فيه جعلوه على المذهبِ، وإذا أفتوا كانتْ لهم أقوالٌ يخالفون فيها المذهبَ؛ هَذَا في كلِّ مذهبٍ.
ومنهم المذهب المشهور في هَذَا البلد؛ وهو مذهب الحنابلة.
ومن الأخبار المنقولة عن البُهوتيِّ رحمه الله : أنَّه أفتى مرَّةً في مسألةٍ، فعابَه بعض أصحابه الآخذين عنه بأنَّه خالَف المذهب، فشدَّد له البهوتيُّ الكلامَ، وقال كلمةً شديدةً، ثمَّ أخبره أنَّه إذا دَرَّس المذهب أخبر بعلمِ أهلِه، وإذا أفتى أخبر بما يراه حقًّا بينه وبين الله .
وفي إجازة الحجَّاوي لبعض أصحابه الآخذين عنه؛ أنَّه أَمَره عند الإفتاء بالرُّجوع إلى قولي الإمامين المجتهدين المَجْدِ بن تيميَّة وأبي محمَّدٍ بن قُدامة، وقولهما يكون تارةً مُخالِفًا للمذهب، فـهَذَا مقامٌ أخطأ فيه النَّاس اليوم، فخلطوا بين مقام الإفتاء ومقام التَّدريس.
وَهَذِهِ حال النَّاس في الأزمنة المتأخِّرة في العلم وغيره؛ أنَّه يحدث قولٌ فيه خطأٌ، مقابل قولٍ فيه خطأٌ.
والجادَّة السَّالمة هي بين الطَّريقين، فالحسنة بين سيِّئتين، والهُدى بين ضلالتين.
شرح الورقات من برنامج مهمات العلم /غرة جمادى الأولى /1438
المسجد النبوي الشريف