مسائل في البعث

(النفخة الأولى)


(البعث): يعني الانتقال من الحياة البرزخية (القبر)، إلى عَرَصَات يوم القيامة.


 


والعَرَصَات: جمع عرْصة، وهو المكان الواسع الذي لا بناء فيه، ولا شجر.


 


النفخ في الصور هو أول خطوات الانتقال من الحياة البرزخية إلى اليوم الأعظم يوم القيامة، فما هو النفخ في الصور؟ ومن الملَك الموكَّل به؟


 


الصُّور لغة: القرن، وشرعًا: قرن عظيم، التقمه إسرافيل - عليه السلام - وينتظر الأمر بالنفخ فيه.


 


وأجمع العلماء أنَّ إسرافيل أحد الملائكة - عليهم السلام - هو الموكَّل بالنفخ فيه، ونقل الإجماع على ذلك الحليمي، وغيره[1].


 


والنَّفخ في الصور ثابت بالكتاب، والسُّنَّة، وإجماع السَّلَف، وستأتي الأدلة عليه - بإذن الله تعالى -.


 


ولتعلم أنَّ النفخة الأولى هي: نفخة (الصعق) - وستأتي الأدلة عليها - وهي خاصة فيمن بقي في الحياة الدنيا؛ لأنه لا يخفاك أن من الناس من يموت خلال أيام هذه الحياة الدنيا، وتعددت أسباب موتهم، وهناك أناس يبقون إلى آخر الحياة الدنيا، فلا يموتون إلا بعد ظهور علامات الساعة الكبرى، وسبب موتهم هو: النفخة الأولى، التي هي نفخة (الصعق)، وهذه تكون بعد أن يعايش الناس علامات الساعة الكبرى، حتى يأتي يوم تتوقف فيه الحركة في هذا الكون العجيب، فيهلِك الله - تعالى- جميع الأحياء، ويبقى سبحانه المتفرِّد بالحياة الكاملة: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ [القصص:28]، ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [سورة الرحمن:26، 27].


 


ما حال النَّاس إذا نفخ في الصور النفخة الأولى؟


هي نفخة هائلة مدمِّرة، من يسمعها لا يستطيع أن يوصي بشيء، ولا يقدر العودة إلى أهله، قال تعالى: ﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [يس:49]، يسمعون هذه الصيحة وهم يتخاصمون في بيعهم، وشرائهم، وشؤون حياتهم الدنيوية، فإذا سمعوها لم يستطيعوا توصية بشيء، أو توصية بتوبة، ولا يستطيعون الرجوع إلى أهاليهم؛ ليأمنوا عليهم، وعلى أنفسهم، ولا يسمع أحد تلك الصيحة إلا أمال صفحة عنقه ورفعها - والله المستعان -، وأول من يسمعها رجل يُصلِح حوض إبله، فيُصعق ثم يُصعق الناس، ففي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَلاَ يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلاَّ أَصْغَى لِيتًا، وَرَفَعَ لِيتًا"، قَالَ: "وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُـلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ"، قَالَ: "فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ.."[2].


 


وهل النفخة الأولى قريبة، أم بعيدة؟


هي قريبة جدًّا، وهي لزماننا اليوم أقرب، وأقرب - والله المستعان -، ولك أن تتأمَّل قربها بتأمل هذا الحديث:


حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَقَدِ الْتَقَمَ صَاحِبُ القَرْنِ القَرْنَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَأصْغَى سَمْعَهُ، يَنْتَظِرُ أنْ يُؤْمَرَ أنْ يَنْفُخَ فَيَنْفُخَ"، قَالَ المُسْلِمُونَ: فَكَيْفَ نَقُولُ يَا رسُولَ الله؟ قَالَ: " قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، تَوَكَّلْنَا عَلَى اللَّهِ رَبِّنَا"[3].


 


النفخة الأولى تسمَّى: (نفخة الصعق).


قال الله تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾ [الزمر: 68]، وتسمَّى أيضا: (الراجفة)؛ لأنَّ النفخة الثانية هي: (الرادفة) التي هي نفخة البعث وستأتي، قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴾ [النازعات:6، 7]، والنفخة الأولى أيضا تسمَّى: (الصيحة)، قال تعالى: ﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ﴾ [يس:49]، وأيضا النفخة الثانية تسمَّى: (الصيحة) قال تعالى: ﴿ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴾ [يس:53 ].


 


مستلة من: "فقه الانتقال من دار الفرار إلى دار القرار"


[1] رواه أحمد برقم (16162)، رواه أبو داود برقم (1047)، رواه النسائي برقم (1376)، رواه ابن ماجه برقم (1085).


[2] انظر: الفتح (11 /368).


[3] رواه مسلم برقم (2940)، واللِّيت: بكسر اللام، وهي: صفحة العنق، "وأصغى": أي أمال، و "يلوط حوضه ": يطيِّنه، ويصلحه.