التَّفريغ:
بسم الله الرحمن الرحيم
خطر أخذ الأموال من أهل البدع والضَّلال، ألقاها فضيلة الشّيخ الدّكتور: محمّد بن هادي المدخلي –حفظه الله تعالى- يوم الثّلاثاء 22 من شهر جمادى الآخرة 1438 للهجرة النبوية في مسجد بدر العتيبي بمدينة النبي –صلى الله عليه وسلم-.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها الجميع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتّقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (كلمة لم أفهمها) الأوَّلين والآخرين وقيُّوم السّماوات والأرضين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيُّه وخيرتُه (كلمة لم أفهمها) وخليلُه –صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ... بإحسانٍ إلى يوم الدِّين-، أمَّا بعد:
فهناك قضيَّةٌ تتكرَّر وبتكرّرها يتكرَّر السؤال عنها، وأكْثَر السّؤال عنها من أبنائنا طلبة العلم طُلاّب السُّنّة والحديث أهل السّنّة والأثر، يتكرَّر السؤال منهم كثيرًا عن هذه القضية، وآخرُ ما جاء السؤال عنها البارحة، تلكم القضيَّة هي: أخذ المعونات، السّلفي السّنّي الأثريّ طالب العلم يسأل عن أخذ المعونات من بعض أهل الأهواء والبدع وإن كانوا لا يشترطون عليه؛ بعضهم يذكر هذه الزيادة، أو من بعض المؤسسات الحزبيَّة، أو الجمعيات الحزبيَّة، أو بعض الحزبيِّين، تتنوع السؤالات على هذه الألفاظ التي ذكرتها لكم.
وقد كثُر الجواب، لكن البارحة لما ورد السّؤال وأجبتُ عنه بما أجيب به دائما وهو: أنَّه لا ينبغي ولا يحلّ لك أيها السُّنّيّ الأثريّ السلفيّ أن تأخذ الإعانةَ من أهل الأهواء والبدع، لأنهم بذلك يستميلوك، ويُؤثِّرون في قلبك واعتقادك، فإذا أخذت منهم استَحْيَيْت منهم؛ جرَّك ذلك إلى مجاملتهم ومداهنتهم والسّكوت عنهم وعن الإنكار عليهم، بل وربما كان الأمر أخطر من ذلك أنْ يستميلوك فتكونَ معهم إلْبًا وحربًا على إخوانك أهل السُّنّة، تُدافع عنهم! أو تُبرِّر لهم! أو تعتذر لهم! فتكون ممَّن باع دينَه بدنياه.
والمالُ يُميل بالرِّجال، سُمِّيَ المالُ مالاً لأنَّه يَميل بالرِّجال، يُغيِّر مواقفهم، وصاحب الإحسان إليك لابدّ أن يُؤثِّر فيك، فإذا أشبعت بطنَه أو قضيتَ له حاجته وأعنتَه فقد اسْتمَلْتَه وربّما اسْتَعْبَدْتَه.
فَنَهَيْتُ الابنَ السَّائل عن ذلك وقلت له: يا ابني الكريم ويا أخي الكريم هذه القضيَّة قضيّةٌ ليست وليدةَ اليوم، فقد أثّر هذا الباب هذه المسألة التي تسأل عنها أثّر في جبالٍ من الرجال فأطاح بهم، فنسأل الله جلّ وعلا بحوله وقوّته وقدرته جلّ وعلا أن لا يجعل لصاحب بدعةٍ أو هوًى أو انحرافٍ علينا يدًا حتى نموت، ونسأله جلّ وعلا أن يجعلنا أحوجَ خلقه إليه، وأفقر عباده إليه، وأغنى خلقه به، وأن يُغنينا عمَّن أغناه عنا، وأن يهب لنا غنًى لا يُطغينا وصحة لا تُلهينا.
قلت لابني السَّائل: يا بُنيّ؛ عليّ بن المديني –رحمه الله- ومن هو عليّ بن المديني أثّر فيه إحسانُ ابن أبي دؤاد، أثَّر فيه واستمالَه إليه وصار منه ما صار، وذكرتُ له كلام الحافظ ابن رجب في "شرح العلل" وأنَّ ابن أبي دؤاد قد استمال عليّ بن المديني بإحسانِهِ إليه وهذا مذكور في كتب التَّراجم ما يُنكرونه؛ موجودٌ واقرؤوه في السِّير في غيرها ستجدون ذلك مِن أنَّ ابن أبي دؤاد كان له بِعَلِيّ صِلة وكان يُحسن إليه ويبرّه فلم يزل به حتَّى وقع في القول بِخَلْق القرآن واعتذر من ذلك، والأمرُ ليس هنا، لو كان الأمر كذلك لعذرنا، هذا هو الشاهد كما قال الحافظ ابن رجب، لكن هذه القضيَّة نحن لا نتكلَّم فيها مسألة حُجّيّة علي بن المديني في الحديث ووثاقه فيه هذا بابٌ نحن لا نتكلَّم فيه فلا يُخرَج بالمسألة إليهِ، نحن نتكلَّم في تأثير الصِّلة من أهل الأهواء والبدع في أهل السُّنّة وأنها ربما أدَّتْ بهم إلى الانحراف -عياذا بالله من ذلك-.
فقلت لابني السائل: إذا كان هذا عليّ؛ من هو؟ ابن المديني جبلُ الحفظ قد أثَّر فيه صلة من؟ ابن أبي دؤاد رأس المعتزلة القاضي فأثَّر فيه، فكيف بنا نحنُ أيها الابن السائل الكريم! نحن ضعفاء، فعلى العبد أن يحذر فالمالُ فتنة.
واليوم وعدتكم بل وعدت السائل ولم يكن الجمع هكذا بل كان سؤالا عابرًا وما شاء الله لا قوة إلا بالله، كلكم جئتم للوفاء وليس لكم عندنا دَين؛ الدَّين لصاحب السؤال، فجئت أنا بكتابِ: "شرح العلل" علل الترمذي للحافظ ابن رجب الحنبلي لأقرأ عليكم منه، وجئت بجميع الطبعات التي وقعت بين يديّ.
فهذه أولا طبعة الجمهورية العراقية، وزارة الأوقاف، إحياء التراث الإسلامي، رقم الكتاب في مطبوعاتها 22 في السلسلة في سلسلة الإصدارات، وهذا بتحقيق السيد صبحي جاسم الحميد؛ هو السامرائي؟ نعم، هذا في مطبعة العاني ببغداد مطبوع سنة 1396 في شهر ذي الحجة، يعني: انتهت 96 فاستقبل 7 و 8 و 9 و 400؛ هذه أربع سنين وأنتم في 38، كم لكم؟ 42 سنة، هذه الطبعة هي أول ما خرج، الجمهورية العراقية، ثم تلتها هذه الطبعة طبعة.. وهذا أنا تملّكته في 10/7/1406 من هنا من معرض الكتاب في المدينة النبوية وكنت أيامها في الرياض فجئت للمعرض واشتريته ذاك اليوم منه لأن كتب العراق كانت وصلت إلى المكتبات هنا –بلغني- فشددت الرَّحل من الرياض إلى المدينة وجئت واشترتيه في 10/7/1406 يعني بقي 20 يوما وتكتمل كم سنة؟ 32 سنة له واشتريته بـ 30 ريالا وهذا مهره وهذا الكَتْب عليه، فأنا كتبي كلها أؤرخها، بـ 30 ريالا، وهذه هي الطبعة الأولى للكتاب التي صدرت في ذلك الحين ما أعلم أنه سبقها طبعة خرجت.
ثم بعد ذلك صدر بعد هذا بتحقيق نور الدين عتر في دار الملاح للطباعة والنشر في 1398 الطبعة الأولى وهذا كانت توزعه دار الإفتاء ودخل عليّ بالإهداء في 24/7/1406 مع هذه، هذا في 10/7 وهذا في 24/7، بعدما اشتريت هذا جاءني هذا إهداء كان يُوزع من دار الإفتاء، فدخل عليّ بالتاريخ المذكور وهذه طبعته الأولى في عام 98 فاحذفوا سنتين يُصبح كم؟ 40 سنة عمرها.
ثم بعد ذلك صدر التحقيق الثالث للكتاب وهو بتحقيق الدكتور همام عبد الرحيم سعيد الأستاذ المساعد بكلية الشريعة الجامعة الأردنية، مكتبة المنار، الزرقاء، الأردن، شارع الفاروق بجانب جمعية المركز الإسلامي، الطبعة الأولى عام 407، كم لها؟ 31 سنة، فهذه هي الطبعة الأولى واشتريتها من معرض الكتاب الدولي السادس بالرياض في 15/2/1408 وثمنها 40 ريالا، وهذه هي النُّسخة وتقع في جِلْدَيْن.
ثم بعد ذلك صدر مؤخّرًا في هذه الأيام القريبة إعادة طباعة تحقيق الدكتور العتر فنشرته دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع في عام 37 هذه الطبعة الثالثة ويُباع في المكتبات وأنا اشتريته بعد صلاة العشاء من يوم الإثنين ليلة 15 يوم 14 جمادى الآخرة في هذه السنة في هذا الشهر بـ 75 ريالا قع في مجلدين.
فهذه هي الطبعات التي وقعت بين يديّ ورأتها عيناي وانتهت إلى علمي من هذا الكتاب.
سأقرأ عليكم منه، ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى- تراجم طائفة من حفاظ الحديث تحت عنوان: "تراجم طائفة من حُفَّاظ الحديث" قال تحت قول أبي عيسى: (وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع مع أنه لم يسلم من الغلط والخطأ كبيرُ أحدٍ) فهذا شرحه الحافظ ابن رجبٍ ثم تكلم على أقسام الرواة وأحكامها ثم في الحفاظ المتقنين الذين يقلّ خطؤهم؛ مع إتقانهم لم يسلموا وقع عندهم الخطأ اليسير، ثم بعده جاء فقال: "تراجم طائفة من أعيان الحُفَّاظ" وترجم لهم واستمرَّ في ذلك إلى أن جاء إلى عليّ بن المديني –رحمه الله تعالى- فقال –هذا في نسخة نور الدين عتر، الطبعة الأولى، في المجلد الأول 214 فما بعد- قال:
(ومنهم: علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح المديني السعدي البصري أبو الحسن أحد الأئمة الحفاظ المُبرزين في علم الحديث وعلله).
ثم ساق ثناء العلماء عليه، ثم خرج من ذلك إلى مصنفات ابن المديني فقال: (ولابن المديني تصانيف كثيرة في علوم الحديث) وسمَّاها.
ثم ختم بقوله في صفحة 216 من هذه الطبعة قال: (كان ابن المديني قد امتُحِن في محنة القرآن فأجابَ مُكرهًا..) والمُكره معذور عندنا ولاّ لا؟ معذور، فنحن لا نتكلم في هذا، هذه مسألةٌ مُسلَّمة، في الكفر قال جلّ وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا..﴾ إلى آخر الآية.
فنحن لا نتكلم في هذا الجانب، لكن الشاهد منه هو الذي أجبتُ به ابني السائل البارحة حيث قال –رحمه الله-: (..فأجاب مُكرهًا..) هذه القضيَّة الأولى.
قال: (ثمَّ إنَّه تقرَّب إلى ابن أبي دؤاد حيثُ استمالَه بدنياه وصحبه وعظّمه..) عظَّم ابن أبي دؤاد، ومن تعظيمه ما ذُكِر عنه أنه كان يُكنِّيه ويقول: قال أبو عبد الله قال أبو عبد الله، فسأله أظن إبراهيم الحربي فقال من أبو عبد الله؟ أحمد؟ فقال: أحمد بن أبي دؤاد، فقال: (لا رويت عنك بعد اليوم) هذا إبراهيم الحربي إذا لم أهِمْ أنا.
الشَّاهد: أنه كان يتقرَّب إليه وعظَّمه، يقول ابن رجب الحافظ: (وصحبه وعظَّمه فوقع بسبب ذلك في أمور صعبةٍ)، قضيَّة أجاب مُكرهًا نحن لا نتكلَّم فيها يا أحبتي، فلا يأتِ كاذبٌ ولا مُغالطٌ ويتكلم في هذا الباب، نحن لا نتكلَّم فيه أبدًا وإنما نتكلم فيما بعده وهو أنه تقرّب إلى ابن أبي دؤاد، استماله ابن أبي دؤاد بدنياه فصحبه وعظّمه فوقع بسبب ذلك في أمور صعبة.
فإذا أحسن إليك صاحب المال وأعطاك لابدّ أن يقع في قلبك إيش؟ شيء من الخجل منه، ويتطور بعد ذلك إلى التردد عليه، وربما وصل إلى تعظيمه، وربما الثناء عليه، وربما الدفاع عنه أو التبرير له فتنحاز في صفِّه وتدع صفّ أهل السنة، عياذًا بالله من ذلك.
يقول: (فوقع بسبب ذلك في أمور صعبة) ما هي هذه الأمور الصَّعبة؟ قال: (حتى إنه كان يتكلم في طائفة من أعيان أهل الحديث ليُرْضيَ بذلك ابن أبي دؤاد فهجره الإمام أحمد لذلك)، هذه هي القضية.
الآن تُماشي هؤلاء تغضّ الطرف يصلون بك إلى هذه النتيجة، يُعطونك المال يستميلونك بهِ حتى تصل إلى هذه النتيجة.
علي –رحمه الله وسامحه وغفر لنا وله- لم يسلم مع كونه من تعرفون، فكيف بغيره ومن هو دون ذلك بدرجات.
يقول: (حتى إنه كان يتكلم في طائفة من أعيان أهل الحديث ليُرْضيَ بذلك ابن أبي دؤاد)، وهذا الحاصل اليوم، يبدأ هؤلاء مع السلفيين قليلا قليلا قليلا حتى يصبحون هم حربًا علينا وعلى السلفيين، استراح أهل الأهواء والبدع، أهل الأهواء والبدع استراحوا الآن، حينما يتكلمون هم فينا وفي أهل السنة ما أحد يقبل منهم، والسلفيون ما يقبلون منهم خاصة، أهل العلم السلفيون لا يقبلون من أهل الأهواء إذا تكلموا في أهل السنة، لكن إذا جاء الكلام ممن؟ من أهل السنة أو من ينتسب إلى السنة أو قد كان مع أهل السنة وفارقهم فصار حربًا عليهم؛ خلاص أراح أهل البدع تولَّى هو المهمة يرتاحون، ما هو نحن تكلمنا فيكم؛ تكلَّم فيكم فلان منكم! هذا أشدّ ضررا ولاّ لا؟ خلاص، أهل البدع ارتاحوا.
وهذا الذي يفتكُ في صفوف أهل السُّنّة لكونهم يُعظِّمون هذا لا يرونه إلا من السلفيين لا يرونه إلا من أهل السنة، فكِلمته تُخَلْخِل صفوف السّلفيِّين ويفترقون بسببه إذا قام من يردّ عليه.
أحمد هنا هجر عليًّا، يقول ابن رجب: (فهجره لذلك)، ما هي=[ليست] القضية أنه دارى فخاف؛ هذه أمرها أهون، القضيَّة أشدّ منها الثَّانية: صار إلْبًا لهم على من؟ على أهل السنة فهجره الإمام أحمد.
اليوم إذا حصل هذا من بعض من ينتسب إلى السلفية وصار مع أهل الأهواء ورُدَّ عليه قالوا: شدّيت عليه! شدّيت عليه! تشدّد فلان! إيش شدّيت عليه؟! وشدّته هو على أهل السنة وردّه عليهم ونصرته هو لكلِّ مبطل ماذا يكون؟! ما ترون إلا دفاع أهل السنة! انظروا بَسْ بالمقياس السطحي: هذا مُدافِعٌ، إذًا: من هو الهاجِم؟ هو المعتدي؛ هذا الذي صال على أهل السنة واعتدى عليهم، هؤلاء يذبّون عن دين الله وعن سنة نبيه –صلى الله عليه وسلم- وينصرون منهاج الصحابة الكرام وأئمة الحديث العظام.
شدّ عليه! إيش شدّ عليه! هو يستحقُّ الشّدّة وزيادة.
اسمعوا؛ قال: (فهجره الإمام أحمد)، إذا أخطأت أحبَّتي ردُّوا عليّ، (فهجره الإمام أحمد لذلك، وعظُمَت الشَّناعة عليه) يا الله! لما كان الأنصار أهل السنة عسكر السنة والقرآن.
(حتى صار عند الناس كأنه مرتدّ)، إيش بعد هذه الشدة من أحمد؟ ويقول لك: إذا أخطأ الإنسان ونصره واحد من أهل السنة وأخطأ؛ قال: لا هذا خطأ، ما خطؤه؟ ما قدر خطئه؟ هل خطؤه من الخطأ اليسير الذي يُغمض عليه العين ولاّ مما لا يجوز أن يُسكت عنه ويجب أن يُذكر ويُشهَر فيُنْكَر حتى ينتشر بين البشر ويدعوه ويتباعدوا عنه ويصير كالأجرب ما أحد معه.
هذه هيَ النصيحة لدين الله جلّ وعلا، هذه هيَ النَّصيحة.
فإذا جاء من يُدافِعُ عنه يُشدَّد عليه في النّكير ويُغْلَظ عليه في الإنكار، فإن رجعَ فالحمد لله وإلاَّ يُلْحَق به يُهْجَر، لماذا؟ لأنه لم يُجرِّد سيفه إلا لحرب أهل السنة وللدفاع عن أهل البدعة، هذا لا كرامة له.
هذا عليّ وهذا أحمد بن حنبل موقفه من عليّ –رحمه الله-، هذا هو موقف أحمد،
أضحى ابنُ حنبل محنةً مأمومة *** وبحُبِّ أحمد يُعرَف المتنسِّكُ
فإذا رأيت لأحمد متنقصا *** فاعلم بأن ستوره ستُهتَّكُ
هذه طريقة أحمد وأصحاب الحديث، هجروا عليّ بن المديني، وممن هجره وشدّد في النكير إبراهيم –أيضا- الحربي وترك مرويّاته عن علي بن المديني كلها، فهنا يقول: (فهجره الإمام أحمد لذلك) بسبب إيش؟ أنه صار إلبا لأهل الباطل والاعتزال على أهل السنة، (وعظُمَت الشناعة عليه) استبشعوا ما جاء به.
اليوم أرباب العقل المعيشي يستبشعون من يقوم في نصرة السنة ويُطبِّلون للذي يُناصر أهل الباطل، هؤلاء أصحاب العقل المعيشي كما يُسمِّيهم شيخنا الشيخ حمود بن عبد الله التويجري –رحمه الله تعالى-، ما يبغى يُغضب أحد عليه! يبغى يُرضي الجميع!
إذا رأيت الرجل يُريد أن يُرضي الجميع فاعلم أنه مُداهن، عليك أن تُرضي الله جل وعلا ولو كان بسخط الناس، إذا فعلت ذلك فإن الله سيرضى عنك ويُرضي عنك الناس، لا تحسب حساب الناس، أحسب حساب الدِّين، الذي تستطيع نصرته وتخذله؛ ما يجوز لك تسكت وَلْيغضبوا وليقولوا ما يقولوا.
ما بعد عليّ بن المديني أحد، أيّ شخص يتكلَّم اليوم نقول له: لن تصل مراتب عليّ بن المديني ولن تحوم حلول حماها، وهذا أحمد موقفه منه، فنحنُ على طريقة أحمد سائرون.
يقول –رحمه الله-: (حتى صار عندَ الناس كأنه مرتدٌّ، وترك أحمد الرواية عنه، وكذلك إبراهيم الحربي وغيرهما).
قال: (وكان يحيى بن معين يقول: هو رجل خاف فقال ما عليه)، (فقال) يعني: أجاب ما عليه؛ يعني: معذور، ردَّ عليه ابن رجب قال: (لو اقتصر على ما ذكره ابن معين لعُذِر) لو كانت المسألة أنه خاف معذور؛ وأُكره معذور، قال: (لكنَّ حالَه كما وصفنا) حاله ما هي=[ليست] قضيّته أنه أجابَ مُكرهًا؛ يقول: أنا لو ضُربت سوط هلكت ما أقوى ما يقوى عليه أحمد؛ معذور، القضيَّة ليست هنا! القضيَّة الثانية هي التي يفعلها بعض من ينتسب إلى السنة والسلفية وللأسف؛ أصبحَ إلْبًا لأهل الباطل على أهل السنة فارتاح أهل الباطل وارتاح المُبطلون، فعظُمَت الفتنة بهم.
نحن نقول: بعد ابن المديني ما فيه أحد مُعظَّم، كان له بأحمد ولأحمد به من الصلة الشيء العظيم، ومع ذلك في دينِ الله لم يجامله وصرَمه.
الآن هذه هي القضيَّة التي يعشيها أبناؤنا ونعيشها نحن، أن يكون السّلفيّ يومًا ما مع أهل الأهواء والبدع وأهل الباطل وهجوم على أهل السنة، وأنتَ إذا ردّيت عليه قالوا: شدَّدت عليه! شدَّيْت عليه! يَسْتَحِقُّ، ليش (كلام لم أفهمه)، ما تراه هو ما يفعل بأهل السنة؟! سيوفه بيده مُصلتة ولسانه مُنطلِق على أهل السنة؛ ما ترى هذا ولا تسمعه! ما تسمع إلا ردود أهل السنة وكأنَّ الله قد طمس على بصرك وبصيرتك، لكن صدقَ الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ هذا واحد ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ اتبع الهوى ما عاد ينفعه علمه يضل ولو كان عالمًا ﴿وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ﴾ ما عاد يسمع أيّ نصح ﴿وَقَلْبِهِ﴾ ما يفقه ﴿وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ ما عاد يرى الحقّ، كلّ منافذ الاستفادة والوصول إلى الحق أغلقها ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
أليس كذلك في سور الجاثية؟ هذا هو.
فهذه القضية معشر الأبناء ومعشر الأحبة هذا هو موقفنا، مَن شاءه فهو معنا وحيَّاه الله، ومن لم يشأه فنحن نرضى بأن نكون مع أحمد، واللهِ لقد رضينا بأحمد بعد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام أن يكون حجة بيننا وبين الله جل وعلا كما قال ذلك جمعٌ من أئمة الهدى.
مَنْ أعجبه فَلْيُعجبه، ومن لم يُعجبه فنحن على هذا الطريق سائرون ولن نلتفت إليه، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ.
وللاستماع إلى الدروس المباشرة والمُسجّلة والمزيد من الصوتيات يُرجى زيارة موقع ميراث الأنبياء على الرابط: miraath.net
وجزاكم الله خيرًا.
فرّغه:/ أبو عبد الرحمن أسامة
24 / جمادى الآخرة / 1438هـ