أنواع الشفاعة المثبتة
الشيخ عبدالله بن صالح القصيِّر 
أنواع الشفاعة المثبتة
تعريف الشفاعة:
الشفاعة لغة: من الضم والتقوية في تحصيل المقصود؛ لأنَّ الشافع ينضمُّ إلى المشفوع له فيُعِينه ويُقوِّيه في تحصيل مَطلوبه.
واصطلاحًا: هي سؤال الخير للغير.
وهي في يوم القيامة: السؤال في التخليص من موقف القيامة وأهواله، والسؤال في التجاوُز عن الذنوب ومحو السيِّئات، والنجاة من النار ودخول الجنَّة، والتخفيف من العَذاب، ونيل الثواب وزيادته.
 
وقد دلَّت الآيات المحكَمات والأحاديث الصحيحة على أنَّ الشفاعة شفاعتان:
الأولى: مثبتة: وهي ما كانت بعد إذْن الله تعالى للشافع ورِضاه عن المشفوع له، وقد تواتَرتِ النُّصوص في الأدلَّة على ثُبوت الشفاعة يومَ القيامة بأنواعها، الخاصَّة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أو العامَّة له ولغيره من الشافعين من خِيار عِباد الله، ومنها الشفاعة في أهل الكبائر من الأمَّة، والشفاعة في دُخول الجنَّة، وفي الجنَّة في رِفعة الدرجة وزيادة الثَّواب والكَرامة في الجنَّة على ما جاءَتْ به الآيات والأحاديث.
ومن الحكمة فيها إظهار إكرام الله تعالى للشافع ورحمة الله تعالى للمَشفوع له.
فالشفاعة المثبتة لا تُنال إلا بإذْنه تعالى ورِضاه عن المشفوع له، وهذه لا نصيبَ فيها لمشركٍ، إلا ما ورَد من تخفيف العَذاب عن أبي طالبٍ خاصَّةً.
 
الثانية: وأمَّا الشفاعة المنفيَّة: فما نُفِي من الشفاعة فهو ما كان لمشركٍ أو كافر - غير أبي طالب - أو كان بغير إذنٍ من الله، فعامَّة الكفار والمشركين والمنافقين نفاقًا اعتقاديًّا كلُّ هؤلاء لا نصيبَ لهم في الشفاعة غير الشفاعة العُظمَى؛ وهي تعجلهم إلى النار.
 
أنواع الشفاعة المثبتة:
الأولى: الشفاعة العُظمَى في أهل الموقف، وهي خاصَّة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فيشفع لهم ليَقضِي الله بينهم ويتخلَّصوا من هول الموقف، وهي من المقام المحمود الذي أُعطيه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
 
الثاني: الشفاعة في قومٍ استَوجَبوا النار ألاَّ يدخلوها: وهذه عامَّة، وللنبي - صلى الله عليه وسلم - منها أوفَرُ حظٍّ ونصيب، ولعلَّه - صلى الله عليه وسلم - يشفَعُ في الجملة، ثم يشفَعُ إخوانُه من المرسلين والنبيين والشهداء والصالحين، وتكون قبلَ الورود على الصراط كما يُفهَم من الأدلَّة.
 
الثالث: الشفاعة في قومٍ دخَلوا النار من عُصاة أهل القبلة أنْ يخرُجوا منها: وهذه تكونُ بعد مجاوزة الصراط، وهي أيضًا عامَّة في الشافعين، للنبي - صلى الله عليه وسلم - منها أكبر حظ وأوفر نصيب، ولعلَّه - صلى الله عليه وسلم - يشفع في جُملتهم ثم يشفع الشُّفعاء بعده كلٌّ فيمَن يخصُّه، ويشركه فيها إخوانه المرسلون والنبيُّون والصِّدِّيقون والصالحون فيمَن شاء الله من عِباده.
 
الرابع: الشفاعة في دُخول الجنَّة: وهذه خاصَّةٌ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فإنَّه الوحيد الذي يَستَفتِح باب الجنَّة فيُفتَح له، ثم يَدخُل هو وأمَّته والمُرسَلون وأممهم بعدَه، عليهم الصلاة والسلام جميعًا.
 
الخامس: الشفاعة داخل الجنَّة في رِفعة الدرجات وزيادة الثواب: بحيث يُعطَى المشفوعُ له فوقَ ما يستحقُّه، أو يُرفَع إلى درجة الشافع فيه، وهي كذلك عامَّة للمُرسلين والنبيين والشهداء وصالحي المؤمنين، وللنبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه الشفاعة النصيبُ الأوفرُ.
 
السادس: الشفاعة في ترجيح حسَنات مَن تساوَتْ حسناتهم وسيِّئاتهم، وهم أهل الأعراف على الراجح، والأعراف: جبلٌ مُشرِفٌ بين الجنَّة والنار، يُوقَف عليه أهلُ الأعراف، وهم قومٌ تساوَتْ حسناتهم وسيِّئاتهم، فلم ترجحْ حسَناتهم فيدخُلون الجنَّة، ولم ترجح سيِّئاتهم فيستَوجِبوا النار، فيشفع لهم في ترجيح حسَناتهم على سيِّئاتهم فيدخلوا الجنَّة، وهي عامَّة في المرسَلين والنبيِّين والشهداء والصالحين، وللنبي - صلى الله عليه وسلم - منها النصيبُ الأوفرُ، وهذه تكونُ بعدَ دُخول أهل الجنَّةِ الجنَّةَ، وأهل النارِ النارَ بمدَّةٍ اللهُ أعلمُ بها.
 
السابعة: الشفاعة في أبي طالب خاصَّة من الكفَّار: وهي كذلك خاصَّةٌ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فيشفَع في تخفيف العَذاب عنه، حيث يخرجه - صلى الله عليه وسلم - من دركات النار إلى ضحضاحٍ منها - أي: يسير لا يجاوز كعبيه - يَغلِي منه دماغه، وهو أهون الكفَرَة عَذابًا، ومع ذلك لا يَرى أنَّ أحدًا أشد منه عَذابًا، ولا يخرج من النار؛ لأنَّه ماتَ على الشرك، والله تعالى قال عن المشركين: ﴿ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 167] ، وقال تعالى: ﴿ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾ [الحجر: 48].