• عن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لاَ يَقْبَلُ الله صَلاَةً بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلاَ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ" رواه مسلم.
• وعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُقْبَلُ صَلاَةُ أَحَدِكُمْ، إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ".
 
شرح ألفاظ الأحاديث:
(غُلُولٍ): بضم الغين والغلول الخيانة وهو السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة.
(أَحْدَثَ): من الحدث وهو وصف يقوم بالبدن يمنع من كل شيء يشترط له الطهارة كالصلاة ونحوها، ويدخل في هذا الوصف البول والريح ونحو ذلك مما ينقض الطهارة.
 
من فوائد الأحاديث:
الفائدة الأولى: في الحديثين دلالة على أن من شروط الصلاة الطهارة سواءً كانت بالماء أو بالتراب إذا عُدم الماء أو تعذر استعماله، وأن صلاة بغير طهارة لا تصح وحينئذ لا تقبل.
 
الفائدة الثانية: في حديث أبي هريرة رضي الله عنه دليل على أن من أحدث لا تقبل صلاته حتى يتوضأ أياًّ كان هذا الحدث وسواء كان باختياره أو اضطراراً كأن يكون داخل الصلاة مثلاً وخرج منه ريح لأن الحديث لم يفرق بين حدث وحدث.
 
• اختلف فيمن استمر في صلاته وهو مُحدث فأتمَّها صورياً ولم يخرج منها:
القول الأول: أنه يكفر لاستهزائه وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه.
 
والقول الثاني: أنه لا يكفر، وبه قال جمهور أهل العلم، وهو الأظهر والله أعلم إلا أن يستحل الصلاة من غير طهارة فيكفر بسبب استحلاله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " من صلى بغير طهارة شرعية مستحلاً لذلك فهو كافر، ولو لم يستحل ذلك فقد اختلف في كفره، وهو مستحق للعقوبة الغليظة " [انظر: "مجموع الفتاوى" (21/ 295)].
 
قال النووي رحمه الله : " إن كان عالماً بالحدث وتحريم الصلاة مع الحدث فقد ارتكب معصية عظيمة، ولا يكفر عندنا بذلك، إلا أن يستحله، وقال أبو حنيفة يكفر لاستهزائه، ودليلنا أنه معصية فأشبهت الزنا وأشباهه "(انظر: "المجموع" (2/ 84) وانظر: "روضة الطالبين" (10/ 67).
 
الفائدة الثالثة: في الحديث بيان أن الصدقة إذا كانت من غلول أي سرقة من مال الغنيمة قبل قسمتها أنها لا تقبل وأخذ منه بعض أهل العلم أن الصدقة بكل مال حرام لا تقبل لهذا الحديث لأن مال الغلول حرام.
 
ومن موانع قبول الصدقة أيضاً:
1- الكفر.
2- أن يتصدق الإنسان وهو كاره.
قال تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ [سورة التوبة: 54].
 
3- المُّن بالصدقة.
قال تعالى: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى ﴾ [سورة البقرة: 263-264].
 
4- أن يتصدق رياءً وسمعة.
قال تعالى: ﴿ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً ﴾ [سورة البقرة:264].
 
وحديث الباب دليل على أن المسلم يجب أن يجتنب المال الحرام في صدقته وفي أخذه من باب أولى، وسئل ابن عباس - رضي الله عنهما - عمن كان على عمل فكان يظلم ويأخذ الحرام ثم تاب فهو يحج ويعتق ويتصدق منه فقال: " إن الخبيث لا يكفر الخبيث " وعلى المسلم أن يتصدق بالطيب فقد روى مسلم حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا " وأفضل منه أن يتصدق من أطيب الطيِّب قال تعالى: ﴿ لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [سورة آل عمران: 92].
 
مستلة من إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم (كتاب الإيمان)