تفريغ محاضرة البَيَانُ الشَّافِي فِي حُكْمِ قُرُوضِ وَكَالَة "أونساج" للشيخ: أزهر سنيقرة 
الشيخ خالد حمودة  
فضيلة الشيخ؛ هذا السائل يقول:
شيخنا - بارك الله فيك – سمعنا منكم ومن مشايخنا كثيرا التنصيص على حُرمة أخذ قروض "أونساج" لما فيها من الربا، وقد انتشرت أخيرا بعض الفتاوى التي تُجيز هذا القرض باعتبار أن الدولة هي التي تدفع الفائدة.
نرجو منكم –حفظكم الله- أن تتفضّلوا علينا بالبيان الشافي في هذه المسألة، وجزاكم الله خيرا.
جواب الوالد –حفظه الله تعالى-:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي َتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أمّا بعد:
فإنّ أصدق الحديث كتابُ الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ثم أما بعد:
أُحيِّي إخواني وأبنائي عبر هذه الإذاعة؛ إذاعة التصفية والتربية التي أسأل الله –تبارك وتعالى- أن يُبارك لنا فيما يُبَثُّ فيها من العلم النافع بإذنه – جلّ وعلا-.
وكما تفضّل أخي خالد في السؤال الأول لهذا اللقاء، والمتعلّق بهذه المسألة التي ما أراد السؤال عنها أن يتوقّف.
فمنذ أن ظهرت هذه الوكالة –وكالة أونساج- عندنا في الجزائر، وهي وكالة الأصلُ فيها أنها لإعانة الشباب في مشاريعهم، جعلتها الدولة لهذا الغرض، من باب التخفيف من البطالة من جهة، ومن جهة أخرى تشجيعا لشبابنا، ومن جهة أخرى إنعاشا لاقتصاد البلاد.
إلا أنّه –مع الأسف الشديد- هذه الوكالة لم تُراعى فيها الضوابط الشرعية، فعِوض أن تكون وكالة أساسا وأصالة مبنية على مبدإ الإعانة لأبناء هذا البلد، ينبغي أن تكون خالية من مثل هذه الأمور كالقروض التي ربما تُرهق كواهلهم من جهة، وترفع البركة من مشاريعهم وأعمالهم.
لأننا نعتقد الاعتقاد الجازم أن الربا مُمحق للبركات، لقول الله –تبارك وتعالى- ﴿ يَمْحَقُ اللهُ الرِبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَات﴾.
وأيّما مالٍ خالطته أو خالطه شيء من الحرام، وخاصة إذا كان من هذا النوع أو من هذا القبيل.
الربا شأنها عند الله –تبارك وتعالى- عظيم خطير، يكفي أن الله –تبارك وتعالى- قال ﴿ وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.
فتحريم الربا من المعلوم من دين الله –تبارك وتعالى- بالضرورة، وبالتالي لو جاء أحد يُنكر هذا الحكم ويقول: أنا لا أعتقد أن الربا محرّم، هذا يكفُر باتفاق العلماء، لأنه أنكر معلوما من دين الله –تبارك وتعالى- بالضرورة.
ويكفي أن نعلم ما جاء من الوعيد الشديد في خطر هذا الفعل الشنيع في دين الله –تبارك وتعالى-، قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: "الرِبَا بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً أَدْنَاهَا كَأَنْ يَأتِيَ الرَّجُلُ أُمَّهُ"
أدنى الربا: أي أقلّه، كان يزني الرجل بأمّه عياذا بالله -تبارك وتعالى-.
فكيف بما هو أكثر من ذلك أو أعلى من ذلك ؟ نسأل الله –جلّ وعلا- العفو والعافية.
وهذا شيءطيّب، وكما يُقال؛ نعتقد أنها ظاهرة صحيّة إيجابيّة، كونُ أبنائنا وشبابنا يحذرون من هذا الأمر ويحاولون جهدهم اجتـنابه والبعد عنه، ولهذا تجدهم يسألون ويتحرّون ويتحرّجون الحرج الشديد.
وأنا أعلم أن بعضهم ربما شرع في التعاقد مع هذه الوكالة، بل أعرف بعضهم قد أنفق أموالا تحضيرا لمشروع، ثم لمّا علِم بتحريمه، ترك هذا كلّه وتحمّل الخسائر التي خسِرها ابتداءً ولم يُواصل فيه، رغم أنه ربما سيعود عليه بأموال يأخذها من البنوك.
هذه كمقدّمة للجواب على هذه المسألة.
المســـألة:
حكمها يدور مع علّتها، وعلّتها –كما هو معلوم- هي: الفائدة.
ونحن نعتقد –وهذا الذي عليه سائر علمائنا- أن الفائدة في القرض كيفما كانت –قليلة كانت أو كثيرة- فهي مُــــحَــرَّمَــةٌ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: "أَيُّمَا قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا فَهُوَ رِبَا".
وهذه هي علّة هذا العقد أو هذه المعاملة التي كانت ابتداءً بين طرفين؛ بين الوكالة والشاب أو صاحب المشروع، والبنك وسيط في ضخّ الأموال وتسليمها لهؤلاء الشباب بناءً على الموافقة من "أونساج".
ثم بعد فترة أُخبرنا أن صورة هذا العقد تغيّرت؛ "تغيّرت" ليس تغيّرا جذريّا، بمعنى أنه رُفِع من هذه المعاملة حكم الربا وزالت الفائدة، لا.
أنا أعتقد تغيّرت تغيّرا "شَكْلِيّا"، عِوض أن يُسدّد هذا المتعاقد مع هذه الوكالة الفائدةَ في القرض الذي استقرضه من البنك، يُسدّد عنه غيره، بمعنى تُسدّد الدولة هذه الفائدة.
يعني: كأنّ العقد هوَ هوَ، إلا أنه دخل طرف ثالث قال: أنا أُسدّد لك الفائدة أو الزيادة.
وهذا في الحقيقة لا يُغيّر من حقيقة العقد، وخاصة –وهذ نحتاج إلى تثبّت فيه- إذا كان الأمر منصوصا عليه في صيغة العقد، يعني: منصوص عليه أن القرض بفائدة كذا وكذا، والذي يُسدّد هذه الفائدة أو هذه الزيادة هو الطرف الثاني.
أمر آخر:
يدّعي بعضهم أن هذه الزيادة التي يأخذها البنك عبارة عن رسوم للخدمات التي يقوم بها البنك جرّاء هذه المعاملة.
وهذا في الحقيقة غير منضبط، لأن الرسومات لا يمكن أن تكون بمثل هذه النسبة.
إضافة إلى ذلك، أن البنك مؤسسة مالية، والمؤسسة المالية لها معاملات مالية، فهي تشتري العمولات ثم تبيعها، فهي تقوم بخدمات أخرى غير القرض، وتستفيد من الخدمات الأخرى استفادات معتبرة، وقِس على ذلك من مثل هذه الأمور.
وهذا بناء على الأساس الأول أن هذه القروض هي عبارة عن "إِعَانَةٍ" من الدولة لأبنائها وشبابها، وما دام أن هذه البنوك بنوك حكومية تابعة للدولة، والمال الذي تُديره مصدره خزينة الدولة، فالأصل أن يكون هذا من غير أيّ زيادة ولا فائدة إذا كانت حقيقةً إعانات.
والأصل في القرض –كما يقرّره الفقهاء- أنّه من باب "الارْفَاقِ والاحْسَانِ إِلى الْغَيْرِ"، نُقرضهم إحسانا له.
القروض عندنا في الإسلام مبني على هذا الأساس، فهو من عموم الخير والاحسان والمعروف الذي دعا إليه ديننا، وهو من المعاملات التي يتم من خلالها تحقيق التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم، المجتمع النظيف، المجتمع الطاهر من كل خبيث.
هذا هو الأساس الذي ينبغي أن يكون عليه الاقتراض، فإذا تغيّر وأصبح الاقتراض مبنيّا على المنفعة، فهو الأمر الثاني الذي هو الاستغلال، والذي هو: غُنْمٌ على حساب غُرمٍ، والذي معروف من هم أصحابه الذين عُرِفوا بهذا التعامل؛ التعامل الربوي، وظلموا بهذا التعامل ظلما شديدا، هم اليهود الذين معاملاتهم إنما هي مبنية على هذا الاستغلال والحَيْف والظلم.
لهذا ينبغي علينا أن نعتقد أن مثل هذه المعاملة إذا كانت بمثل هذه الصورة، يعني قرض بفائدة كيفما كانت هذه الفائدة، وكيفما كان الطرف الذي يدفع هذه الفائدة، فالمعاملة باقية على صورتها الأولى، يعني: بَاقِيَةٌ عَلَى رِبَوِيَّتِهَا.
والله –تبارك وتعالى- أعلم
وأنا أعتقد وأظن أن من أجاب بجوازها، بناءا على ما صُوّرَ له، وكأن الدولة تُعين أبناءها أو ما شابه ذلك، ولم يفهم السائل، أو لم يتصوّر أن المعاملة لم يتغيّر منها إلّا كون الذي يسدّد غير الطرف الأول –غير الطرف الذي يتعامل-، يعني طرف ثاني.
يعني: تعامل زيد مع عمر بقرض بفائدة، ثم جاء رجل ثالث قال: والله الفائدة أنا الذي أُسدّدها، هذا لا يُغيّر في الحكم شيئا، ولا نقول أن هذا الطرف الثالث أدرى بما يفعل، والتعامل أصبح على هذا الأساس جائزا، هذا خلاف ما عليه علماؤنا وما قرّره فقهاؤنا قديما وحديثا، والعلم عند الله –تبارك وتعالى-.
فرّغه:
إسماعيل أبو زكرياء الجزائري
22 رجب 1438 هـ / 19 أفريل 2017.