المعلوم أنَّ الأخطاء التي يقع فيها المكلَّفُ ـ عند أداءِ زكاةِ الفطر المفروضةِ عليه ـ ترجع ـ غالبًا ـ إلى التساهل في العناية بمعرفةِ أحكامِ زكاة الفطر ـ على قِلَّتها ـ إذ لا يخفى أنَّ العبادة لا تتمُّ على الوجه الشرعيِّ إلَّا بالإخلاص والمتابَعة، ولا يتحقَّق ذلك إلَّا بوسيلة العلم بالأحكام المتعلِّقة بها؛ لأنها فرضٌ عليه.
فعدمُ الاكتراثِ بالتعلُّم والحرصِ عليه، واللامبالاةُ في السؤال مِنَ المكلَّف، والتهاونُ في السعي لتحصيله، كُلُّ ذلك يُفْضي به إلى الوقوع في محظورٍ بجهلٍ، أو يجني إثمًا باعتقادٍ فاسدٍ يتعلَّق بقلبه، وقد يفوته فضلُ العبادة بسببِ التأخُّر عن أدائها، أو إخراجِها قبل وقتها، أو وضعِها في غيرِ أيدي المُستحِقِّين لها، أو امتناعِ المكلَّف عن أدائها لموانعَ وهميةٍ غيرِ شرعيةٍ، أو لأخطاءٍ أخرى تَقدَّم التعرُّضُ لها في ثنايا مبحثِ:«زكاة الفطر: مسائل وأحكام»، جَرَى فيها الخلافُ الفقهيُّ، وليس بخافٍ أنَّ الاعتماد على الفتاوى المرجوحةِ واعتقادَها والعملَ بها ـ وخاصَّةً المبنيَّة على المعقول والمُعارِضة لمقتضى النصوصِ الشرعية والإجماعِ ـ يُعَدُّ خطأً ظاهرًا، بلِ الواجبُ على المكلَّفِ أَنْ يسعى ـ جاهدًا ـ إلى معرفةِ الصواب؛ للعمل بالحقِّ وتفادي الخطإ وتجنُّبه.
هذا، ويمكن التنبيهُ على هذه الأخطاء ـ باختصارٍ وإيجازٍ إلَّا ما دَعَا المَقامُ إلى مزيدِ شرحٍ أو إبطالِ استدلالٍ ـ وذلك في النقاط التالية:
أوَّلًا: إخراج المالِ صدقةً للمسكين بغيرِ نيَّةِ زكاةِ الفطر المفروضة. وهذا خطأٌ؛ إذ لا تجزئ الزكاةُ إلَّا بنِيَّتها؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»(١)؛ لذلك وَجَب على دافعِها أَنْ يَنْوِيَ الزكاةَ المفروضة عليه، وأَنْ يقصد بها وجهَ الله تعالى؛ إذ الإخلاصُ شرطُ قَبولِ كُلِّ عبادةٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ [البيِّنة: ٥]، وقولِه تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠﴾ [الكهف].
ثانيًا: التلفُّظُ بنيَّةِ الزكاة وتعيينُ المساكين بالذِّكر. وهذا خطأٌ؛ إذ ليس في الشرع التلفُّظُ بالنيَّة؛ لأنَّ محلَّها القلبُ، أي: أنها تقوم بقلب المُخْرِج، يتقصَّد بها هذه العبادةَ المشروعة مِنْ غير تلفُّظٍ بها أو ذِكْرٍ لأسماءِ مَنْ تُخْرَجُ إليهم، علمًا أنه لم يَرِدْ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه فَعَلها أو أَمَر بها، وخيرُ الهديِ هديُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد جاء عنه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»(٢).
ثالثًا: وضعُ مُخْرِجِ زكاةِ الفطرِ يدَه على زكاته وقراءةُ الفاتحةِ أو غيرِها مِنَ القرآن عليها عند إرادة إخراجها؛فهذا بدعةٌ مُحْدَثةٌ، لا أصلَ لهذا العملِ في الشرعِ المطهَّر؛ إذ لم يَرِدْ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا عن صحابته الكرام رضي الله عنهم أنهم كانوا يقرءون الفاتحةَ أو القرآنَ على الزكاة حالَ إخراجها ولا قبلها ولا بعدها، وقد ثَبَت عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»(٣)، وفي لفظٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(٤).
رابعًا: الاعتقاد بأنَّ زكاة الفطر عملٌ تطوُّعيٌّ يقوم به الغنيُّ تُجاهَ الفقيرِ لسَدِّ حاجياته، فيغنيه عن ذُلِّ المسألة في ذلك اليوم، فيَشْعُرُ الغنيُّ فيه بالمِنَّة والفضلِ على مَنْ أعطاه، وبالمُقابِل يشعر الفقيرُ بالذلِّ والمسكنة تُجاهَ المعطي. وهذا الاعتقاد خطأٌ؛ لأنَّ زكاة الفطر حقٌّ مفروضٌ شرعًا، وهي صدقةٌ ماليةٌ عن البدن والنفسِ مقدَّرةٌ فَرَضها اللهُ للمُستحِقِّين لها بالفطر مِنْ رمضان.
خامسًا: الاعتقاد بأنَّ وقتَ وجوبِ زكاة الفطر موسَّعٌ وغيرُ متعيِّنٍ؛ الأمرُ الذي يدفع إلى القول بتجويز التعجيل بها بالسَّنَةِ والسنتين، وتجويزِ تأخيرِها إلى أيِّ يومٍ بعد العيد مِنْ غير مُؤاخَذةٍ(٥)؛ الأمرُ الذي يدفع المكلَّفَ إلى التواني عن أدائها قبل صلاة العيد، بل يُؤخِّرها بحجَّةِ سَعَةِ وقتِ الوجوب وعدمِ التعيين. وهذا خطأٌ؛ لأنَّ وقت أدائها متعيِّنٌ قبل صلاة العيد؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «.. فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ»(٦)، ولحديثِ ابنِ عمررضي الله عنهما قال: «.. وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ»(٧)، وهذا هو أفضلُ وقتِها المتعيِّن لها، ويجزئ تقبُّلُها للموكَّل بتوزيعها قبل يوم الفطر بيومٍ أو يومين؛ لفعلِ ابنِ عمر رضي الله عنهما أنه كان يُخْرِجها كذلك(٨).
سادسًا: عدم قيام المكلَّف بتحرِّي أهل الاستحقاق في إخراج زكاة الفطر، فيعطيها لمَنْ لا يَستحِقُّها، يصرفه الكسلُ ـ غالبًا ـ عن البحث عن المُستحِقِّين مِنَ الفقراء والمساكين؛ فقَدْ يُخْرِجها ـ بتهاوُنِه ـ لمُعيَّنٍ مِنَ الناس جَرَتْ عادتُه بدفع الزكاةِ إليه بسببِ النسب أو القرابة أو الصداقة أو الجوار، أو لكونه عاملًا عنده أو غيرِها مِنَ الأسباب، ولو كان المُعطَى له غنيًّا مكفيًّا. وهذا خطأٌ؛ لأنَّ الزكاة حقٌّ مِنْ حقوق الله، لا تجوز المحاباةُ في حقوقه، بل الواجبُ التحقُّقُ مِنْ آخِذِها والتأكُّدُ مِنِ استحقاقِها.
وقد يعطيها لمَنْ عَدَا الفقراء والمساكين مِنَ الأصناف الثمانية المُستحِقِّين لزكاة المال. وهذا خطأٌ؛ لأنَّ زكاة الفطر متعلِّقةٌ بالبدن والنفسِ لا بالمال؛ فلا يجزئ إخراجُها إلَّا للفقراء والمساكين؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ»(٩)؛ فإنَّ دلالةَ الحديثِ واضحةٌ في اختصاصِ زكاة الفطر بالمساكين والفقراء(١٠) دون غيرِهم، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «ولا يجوز دَفْعُ زكاةِ الفطر إلَّا لمَنْ يَسْتحِقُّ الكفَّارةَ، وهو مَنْ يأخذ لحاجته، لا في الرِّقابِ والمُؤلَّفةِ قلوبُهم وغيرِ ذلك»(١١).
سابعًا: اعتقاد وجوب زكاة الفطر عن الجنين ـ وهو مذهبُ ابنِ حزمٍ رحمه الله ـ إذا أكمل الجنينُ في بطن أمِّه مائةً وعشرين يومًا قبل انصداع الفجر مِنْ ليلة الفطر؛ لأنه يُنْفَخُ فيه الروحُ حينئذٍ(١٢)، وعملًا بما رواه ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ عن عثمان بنِ عفَّان رضي الله عنه أنه كان يعطي صدقةَ الفطرِ عن الصغير والكبير والحمل(١٣). وهذا خطأٌ؛ إذ لا دليلَ يُوجِبُ زكاةَ الفطر في حقِّ الجنين، وقد نَقَل ابنُ المنذر ـ رحمه الله ـ الإجماعَ على أَنْ لا زكاةَ على الجنين في بطنِ أمِّه(١٤)، أمَّا فعلُ عثمانَ رضي الله عنه ـ إِنْ صحَّ ـ فلا يدلُّ على أكثرَ مِنَ الاستحباب والتطوُّع؛ لأنها صدقةٌ عمَّنْ لا تجب عليه؛ فكانَتْ مُستحَبَّةً كسائر صدقات التطوُّع، ولأنَّ الجنين لا تثبت له أحكامُ الدنيا إلَّا في الإرث والوصيَّة، بشرطِ أَنْ يخرج حيًّا(١٥).
ثامنًا: الاعتقاد بأنه لا تجب زكاةُ الفطر إلَّا على مَنْ يملك نصابًا؛ عملًا بحديثِ: «لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى»(١٦)، وبالقياس على زكاة المال(١٧). وهذا خطأٌ؛ لأنه يكفي لوجوبها الإسلامُ، وأَنْ يكون مقدارُ هذه الزكاةِ فاضلًا عن قُوتِه وقُوتِ مَنْ تَلْزَمُه نفقتُه يومَ العيد وليلتَه، أو فاضلًا عن حوائجه الأصلية(١٨).
ويؤكِّد ذلك قولُ ابنِ عمر رضي الله عنهما: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ»(١٩)، يَشْمَلُ الغنيَّ والفقيرَ الذي لا يملك نصابًا، وممَّا يرجِّح ذلك حديثُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «مَنْ سَأَلَ ـ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ ـ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ»، قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا يُغْنِيهِ؟» قَالَ: «مَا يُغَدِّيهِ أَوْ يُعَشِّيهِ»، وفي لفظِ أبي داود: «أَنْ يَكُونَ لَهُ شِبَعُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَوْ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ»(٢٠)، قال الشوكانيُّ ـ رحمه الله ـ: «وهذا هو الحقُّ؛ لأنَّ النصوص أَطْلقَتْ ولم تخصَّ غنيًّا ولا فقيرًا، ولا مجالَ للاجتهاد في تعيينِ المقدار الذي يُعتبَرُ أَنْ يكون مُخْرِجُ الفطرةِ مالكًا له، لا سيَّما والعلَّةُ التي شُرِعَتْ لها الفطرةُ موجودةٌ في الغنيِّ والفقير، وهي التطهرةُ مِنَ اللغو والرَّفَث، واعتبارُ كونِه واجدًا لقُوتِ يومٍ وليلةٍ أمرٌ لا بُدَّ منه؛ لأنَّ المقصود مِنْ شرعِ الفطرة إغناءُ الفقراء في ذلك اليوم .. فلو لم يُعتبَرْ في حقِّ المُخْرِج ذلك لَكان ممَّنْ أُمِرْنا بإغنائه في ذلك اليوم، لا مِنَ المأمورين بإخراج الفطرة وإغناءِ غيره»(٢١).
أمَّا حديثُ: «لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى»(٢٢) فقَدْ تقدَّم الجوابُ عنه مِنْ وجوهٍ(٢٣)، ويمكن أَنْ يُضافَ إليه أنَّ الحديثَ مُعارَضٌ بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا سُئِلَ: «أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟» قَالَ: «جَهْدُ الْمُقِلِّ»(٢٤)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفٍ»، قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ؟» قَالَ: «رَجُلٌ لَهُ دِرْهَمَانِ، فَأَخَذَ أَحَدَهُمَا فَتَصَدَّقَ بِهِ، وَرَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَأَخَذَ مِنْ عُرْضِ مَالِهِ مِائَةَ أَلْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا»(٢٥)؛ فالمسكينُ صاحِبُ الدرهمين تَصدَّق بنصفِ مالِه مع أنه ليس بغنيٍّ يملك نصابًا.
«وأمَّا الاستدلال بالقياس فغيرُ صحيحٍ؛ لأنه قياسٌ مع الفارق؛ إذ وجوبُ الفطرة متعلِّقٌ بالأبدان، والزكاة بالأموال»(٢٦)، فضلًا عن أنَّ صدقةَ الفطرِ حقُّ مالٍ لا يزيد بزيادة المال، فلا يُعتبَرُ فيها وجوبُ النصاب كالكفَّارة؛ لذلك لا يَمتنِعُ أَنْ يُؤخَذَ منه ويعطى لغيره، الشأنُ في ذلك كمَنْ وَجَب عليه العشرُ في زرعِه وهو ـ في ذات الوقت ـ محتاجٌ إلى ما يكفيه وعيالَه(٢٧).
تاسعًا: أَنْ يُوكِّلَ مُخْرِجُ زكاةِ الفطر أحَدَ جيران الفقير أو المسكين ـ نيابةً عن المزكِّي ـ فيُعْطِيَها له دون الفقير، فيُخْرِجَها الوكيلُ بعد صلاة العيد. وهذا خطأٌ؛ لأنَّ جارَ الفقير هو وكيلٌ عن المزكِّي، فيقومُ مَقامَه في إيصالِ زكاة الفطر إلى مُستحِقِّيها قبل صلاة العيد، ما لم يكن الفقيرُ أو المسكين نَفْسُه هو مَنْ وكَّل جارَه في استلام الزكاة؛ فإنه ـ في هذه الحال ـ يُعَدُّ وكيلًا عن الفقير فتُجْزِئُه.
عاشرًا: الاعتقاد أنَّ الدَّيْن المؤجَّلَ يمنع وجوبَ زكاة الفطر. وهذا خطأٌ؛ لأنَّ الذي يملك مقدارَ الزكاةِ الواجبةِ فاضلًا عن قُوتِه وقُوتِ مَنْ تَلْزَمُه نفقتُه يومَ العيد، وكان عليه دَيْنٌ مثلُه؛ لَزِمَه أَنْ يُخْرِجَ زكاةَ الفطر، إلَّا أَنْ يكون مُطالَبًا بالدَّيْن، فوَجَب قضاءُ الدَّينِ ولا زكاةَ عليه، قال ابنُ قدامة ـ رحمه الله ـ: «إنما لم يمنعِ الدَّيْنُ الفطرةَ لأنها آكدُ وجوبًا؛ بدليلِ وجوبها على الفقير، وشمولِهَا لكُلِّ مسلمٍ قَدَر على إخراجها، ووجوبِ تحمُّلها عمَّنْ وَجَبَتْ نفقتُه على غيره، ولا تتعلَّقُ بقَدْرٍ مِنَ المال؛ فجَرَتْ مجرى النفقة، ولأنَّ زكاة المالِ تجب بالمِلْك، والدَّيْنُ يؤثِّر في المِلْك فأثَّر فيها، وهذه تجب على البدن، والدَّيْنُ لا يؤثِّر فيه، وتسقط الفطرةُ عند المطالبة بالدَّيْن؛ لوجوبِ أدائه عند المطالبة، وتأكُّدِه بكونه حقَّ آدميٍّ معيَّنٍ لا يسقط بالإعسار، وكونِه أسبقَ سببًا وأقدمَ وجوبًا يأثم بتأخيره، فإنه يُسْقِطُ غيرَ الفطرة وإِنْ لم يُطالَب به؛ لأنَّ تأثير المطالبة إنما هو في إلزام الأداء وتحريمِ التأخير»(٢٨).
حاديَ عَشَرَ: التحرُّج مِنْ صرفِ زكاةِ فِطْرِ فردٍ على جماعةٍ متعدِّدةِ الأفراد موزَّعةٍ عليهم، أو صرفِ صدقةِ عدَّةِ أفرادٍ إلى فردٍ واحدٍ؛ فهذا لا حَرَجَ فيه؛ لأنَّ نصوص الشرع جاءَتْ مُطلَقةً غيرَ مقيَّدةٍ، و«المُطْلَقُ يَجْرِي عَلَى إِطْلَاقِهِ»؛ فيجوز إعطاءُ زكاةِ فطرٍ واحدةٍ لأكثرَ مِنْ فقيرٍ، كما تجوز فطرةُ جماعةِ أفرادٍ لفردٍ واحدٍ أو العكس.
ثانيَ عَشَرَ: اعتقاد عدمِ إجزاءِ إخراجِ زكاةِ الفطر إلَّا بالقيمة، لا عينًا بالصاع المطعوم. وهذا خطأٌ بيِّنٌ، وتحكُّمٌ بالرأي يُرَدُّ به الوحيُ؛ ذلك لأنَّ زكاة الفطر عبادةٌ توقيفيةٌ نصَّ الشارعُ على إخراجها بالعين لا بالقيمة، ولم يُنْقَلْ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا صحابتِه الكرام رضي الله عنهم أنهم أخرجوا القيمةَ ـ ألبتَّةَ ـ مع توافُرِها في زمانهم، بل تعبَّدَهم الشرعُ بإخراجها بالصاع مِنْ قُوتِ البلد، كما جاء في حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ»(٢٩)، وكذا في حديثِ أبي سعيدٍ رضي الله عنه(٣٠) وغيرِهما؛ ففي هذه الأحاديثِ التصريحُ بإخراجها بالصاع عينًا لا قيمةً، ولأنَّ مُخْرِجَ القيمةِ قد عَدَل عن المنصوص ـ شرعًا ـ فلا يُجْزِئه، كما لو أخرج الرديءَ مكانَ الجيِّد(٣١)، ولأنَّ القول بأنَّ «إخراج الزكاة عينا مِنْ قُوتِ البلد لا ينتفع به الفقيرُ» فمردودٌ؛ لأنَّ الفقير ـ حقًّا ـ لا بُدَّ أَنْ ينتفع بالقُوت، وهو وصفُ شرفٍ به قِوامُ بدنِه(٣٢).
ثالثَ عَشَرَ: إخراجُ زكاةِ الفطر مِنْ رديء الأقوات الذي لا تطيب النفوسُ بأكله أو لم يَحْظَ عند التُّجَّار ـ غالبًا ـ بالبيع لعدم جودته، فيدفعونها للفقراء والمساكين، وهذا وإِنْ كان الرديءُ وعدمُ الحرص على دفعِ الجيِّد ممَّا يَجِدونه والأنفعِ للمسكين مُجْزِئًا، إلَّا أنَّ صاحِبَه لا يبلغ به البِرَّ الذي هو كُلُّ خيرٍ مِنْ أنواع الطاعات والمثوبات المُوصِلةِ للجنَّة؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قال السعديُّ ـ رحمه الله ـ: «دلَّتِ الآيةُ أنَّ العبد بحسب إنفاقه للمحبوبات يكون بِرُّه، وأنه ينقص مِنْ بِرِّه بحسبِ ما نَقَص مِنْ ذلك»(٣٣).
رابعَ عَشَرَ: الاعتقاد بجواز إخراج زكاة الفطر للمشرك أو الكافر أو الذمِّيِّ. وهذا خطأٌ، بل لا يجزئ دفعُها إلى غير المسلمين؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «.. وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ»(٣٤)، وهذا يدلُّ على مساكينِ المسلمين لا عمومِ المساكين، ويؤيِّدُه حديثُ ابنِ عمر رضي الله عنهما: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ»(٣٥)، ففيه دليلٌ على اشتراطِ الفقر مع الإسلام في وجوب الفطرة؛ فلا تجوزُ للكافر، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»(٣٦)، أي: أغنياءِ المسلمين وفقرائهم.
غير أنه يجوز الإحسانُ إلى غيرِ المسلمين على وجهِ الصِّلَةِ مِنَ الصدقات العامَّة غيرِ الواجبة؛ لقوله تعالى: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨﴾ [الممتحنة]، ولحديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «كَانَ نَاسٌ لَهُمْ أَنْسِبَاءُ وَقَرَابَةٌ مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، وَكَانُوا يَتَّقُونَ أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ، وَيُرِيدُونَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٢﴾ [البقرة]»(٣٧)، وعن الحسن البصريِّ ـ رحمه الله ـ قال: «لَيْسَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْوَاجِبِ حَقٌّ، وَلَكِنْ إِنْ شَاءَ الرَّجُلُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ»(٣٨).