زكاةُ الفطر تجب على المسلم المالكِ لمِقْدارِ الزكاة الذي يزيد عن قوتِه وقوتِ عِيالِه يومًا وليلةً؛ فهذا حَدُّ الغنى في زكاة الفطر ـ عند الجمهور ـ دون اعتبارٍ في وجوبها نِصابَ الزكاةِ ـ كما تقدَّم ـ.
وزكاةُ الفطر تجب عن المسلم في ذاته وعن كُلِّ مَنْ تجب عليه نفقتُه شرعًا مِنَ المسلمين(١٩) لقرابةٍ أو زوجيةٍ أو مِلْكٍ(٢٠). ويدلُّ على ذلك حديثُ ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِمَّنْ تَمُونُونَ»(٢١)، وحديثُ أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لَيْسَ فِي الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةَ الْفِطْرِ»(٢٢)، ومفهومُ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما يدلُّ على أنَّ زكاة الفطر لا يجب إخراجُها عن الأصول والفروع إِنْ كانوا أَغْنِيَاءَ، ولا عن زوجةٍ لم يدخل بها؛ لأنه لا تَلْزَمُه نَفَقَتُها، وإنما تجب الفطرةُ عن زوجته أو مُطلَّقتِه طلاقًا غيرَ بائنٍ.
فالحاصل: أنَّ كُلَّ مَنْ لا تجب عليه نَفَقَتُه لا تَلْزَمُه زكاتُه إلَّا ما استثناهُ الدليلُ؛ فمِنْ ذلك: لا تَلْزَمُه زكاةُ البائنِ إلَّا إذا كانَتْ حاملًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّ﴾[الطلاق: ٦]، وإِنْ كانَتْ ناشزةً فلا تجب عليه فطرتُها بلا خلافٍ(٢٣)، كما اتَّفقَ العُلَماءُ على أنه لا يُخْرِجُ عن زوجته الكافرةِ مع أنَّ نفقتها تَلْزَمُه(٢٤)، وإنما خرجَتْ هذه الصُّوَرُ عن القاعدة لوجودِ دليلِ النصِّ أو الإجماع.
أمَّا عن ترتيبِ المعنيِّينَ بزكاة الفطر مِنْ جهةِ الأولوية إذا لم يكن عنده ما يكفي الجميعَ فإنه يبدأ بنَفْسِه ـ أوَّلًا ـ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ»(٢٥)، ثمَّ بمَنْ يَعُولُ ـ ثانيًا ـ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»(٢٦)، ثمَّ اختلفوا في أولويةِ مَنْ يعول في الترتيب، فرجَّح ابنُ قُدامةَ ـ رحمه الله ـ زوجتَه فرَقيقَه ثمَّ أُمَّه ثمَّ أباهُ، ثمَّ الأَقْرَبَ فالأَقْرَبَ على ترتيبهم في الميراث، واستدلَّ على ترتيبه بما نصُّه: «لأنَّ الفطرة تنبني على النفقة؛ فكما يبدأ بنَفْسِه في النفقة فكذلك في الفطرة، فإِنْ فَضَلَ آخَرُ أَخْرَجَهُ عن امرأته؛ لأنَّ نَفَقَتَها آكَدُ؛ فإنَّ نَفَقَتَها تجب على سبيلِ المُعاوَضةِ مع اليسار والإعسار، ونفقة الأقارِبِ صِلَةٌ تجب مع اليسار دون الإعسار، فإِنْ فَضَلَ آخَرُ أخرجه عن رقيقه؛ لوجوبِ نفقتهم في الإعسار.. وتُقدَّمُ فطرةُ الأمِّ على فطرة الأب لأنها مُقدَّمةٌ في البرِّ؛ بدليلِ قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم للأعرابيِّ لمَّا سأله: «مَنْ أَبَرُّ؟» قال: «أُمَّكَ»، قال: «ثمَّ مَنْ؟» قال: «أُمَّكَ»، قال: «ثُمَّ مَنْ»، قال: «أُمَّكَ»، قال: «ثمَّ مَنْ؟» قال: «ثُمَّ أَبَاكَ»(٢٧)، ولأنها ضعيفةٌ عن الكسب، ويحتمل تقديم فطرة الأب لقول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»(٢٨)، ثمَّ بالجدِّ، ثمَّ الأقرب فالأقرب، على ترتيبِ العَصَبات في الميراث»(٢٩) [بتصرُّف].