إن أعظم ما قرّره رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلماته النيرات، وعظاته البالغات في حجة الوداع بيانُ مكانة الإيمان، وأنه أساس السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، وأن الجنة دارَ اللّذّة والحبور والهناءة والسرور لا يدخلها إلا أهل الإيمان، ومن لم يكن مؤمناً فالجنة عليه حرام ولا يشم ريحها، بل يكون مآله إلى نار جهنم خالداً مخلداً فيها.

ففي مسند الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ من حديث بشر بن سُحيم قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام التشريق أنه: ((لا يدخل الجنة إلاّ مؤمن)).

وبعث من بعث من أصحابه ببيان ذلك وإعلانه في الناس معذرةً إلى الله، وإقامةً للحجة على العباد، كما في المسند عن بشر أيضاً رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن ينادى أيام التشريق أنه لا يدخل الجنة إلاّ مؤمن))، وفي بعض الروايات أنه صلى الله عليه وسلم بعث بشر بن سُحيم فأمره أن ينادي: ((ألا إنه لا يدخل الجنة إلاّ مؤمن))، وروى مسلم في صحيحه عن كعب بن مالك ?: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأوسَ بن الحدثان أيام التشريق فنادى: أنه لا يدخل الجنة إلاّ مؤمن)).

وكان عليه الصلاة والسلام بعث عليّاً رضي الله عنه إلى مكة بهذا الإعلان في العام الذي قبله، ففي المسند عن محرَّر بن أبي هريرة عن أبيه أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((كنت مع عليّ بن أبي طالب حيث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة فقال: ما كنتم تنادون؟ قال: كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلاّ مؤمن)) الحديث، قال أبو هريرة: ((فكنت أنادي حتى صَحِل صوتي)) أي: بُحَّ وغلظ.

وأيضاً بعث بهذا الإعلان قبل ذلك غير مرّة.

ففي صحيح مسلم، لما كان يوم خيبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلاّ المؤمنون)) قال: فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون)).

وأيضاً قال لبلال رضي الله عنه: ((يا بلال قم فأذن لا يدخل الجنة إلاّ مؤمن)). رواه البخاري.

وفي هذا المعنى وردت أحاديثُ كثيرةٌ نصحاً للعباد، واعذاراً إلى الله، وإقامة للحجة، وتبياناً لمقام الإيمان وشأنه، وأنَّ نعيم الله وثوابه ورضاه لا ينال إلاّ بالإيمان. فالمؤمنون هم أهل نعيم الله وثوابه وجنته، ومن سواهم لا مطمع لهم في نعيم، ولا سبيل لهم إلى فوز، وما لهم في الآخرة من خلاق.

ومن قامت عليه حجة الله، وبلغته دعوة المرسلين فأبى عن القبول أو كذب المرسلين، أو استكبر عن طاعة رب العالمين، فليس له يوم القيامة إلاّ النار هي مأواه وبئس المصير.

قال الله تعالى {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف:40-43].

فالجنة دار أهل الإيمان وطاعةِ الرحمن، ومن عداهم سواء كانوا ملاحدة لا يؤمنون بالله، أو كفاراً يكذبون به وبرسوله، أو مشركين يعبدون معه غيره، أو منافقين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر فهم من جُثا جهنم وحطب النار، يخلدهم الله فيها أبد الآباد، لا ينقذهم منها منقذ، ولا يقضى عليهم فيها فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها بل يزداد، قال تعالى: { فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا}(1). هذا وأهل الإيمان في الجنة يسعدون، وبنعيمها يتمتعون، لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون.

وبهذا تظهر مكانة الإيمان العالية ومنزلته السامية، فهو أعظم المطالب، وأجل المقاصد، وأنبل الأهداف، إذ به ينال العبد سعادة الدنيا والآخرة، ويدرك أهم المطالب وأجل الغايات، ويظفر بالجنة ونعيمها، وينجو من النار وسخط الجبار، وينال رضى الرب فلا يسخط عليه أبداً، ويتلذّذ بالنظر إلى وجهه الكريم في غير ضَرَّاء مُضرة ولا فتنة مُضلة، وما يناله أهل الإيمان من الثمار والآثار المباركة أمر يفوق الحصر ويتجاوز العد، وبالجملة فالخير كلّه فرع عن الإيمان ومترتب عليه، والهلاك والدمار والشر كله إنما هو بفقده ونقصه.

والإيمان إذا كان كاملاً قد أدى به صاحبه الواجبات، وترك المحرمات فإنه يمنع دخول النار، ويدخل صاحبُه الجنة بدون حساب أو عقاب، وإذا كان ناقصاً بترك واجب، أو فعل محرم فإنه يمنع صاحبه من الخلود في النار، كما تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يخلد في النار من في قلبه شيء من الإيمان ولو يسيراً، ثم يكون مآله إلى الجنة بعد أن يطهر بالنار من أدران ذنوبه وأقذار معاصيه.

فمنازل الناس في الآخرة إنما هي بحسب حظهم من الإيمان زيادة ونقصاً، وجوداً وعدماً، والتوفيق بيد الله وحده، والمنة كلها له سبحانه { بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات:17 ]، ولهذا إذا دخل أهل الإيمان الجنة وتبوءوا منازلهم فيها قالوا معترفين بمنّ الله وفضله: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف:43]، فجمع سبحانه في هذه الآية بين الإخبار باعترافهم وثنائهم على الله بالنعمة حيث أوصلهم إلى هذه المنازل، وبين ذكر السبب الذي نالوا به هذه المنّة وهو الإيمان وأعماله، فنسأل الله أن يمنّ علينا بالإيمان الصادق، وأن يزيننا بزينة الإيمان، وأن يجعلنا هداة مهتدين.


* * *

------------

قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفسيره: ((وهذه الآية أشد الآيات في شدة عذاب أهل النار أجارنا الله منها)).

الشيخ عبد الرازق البدر