من آثار فتح مكة
تحول ثقل معسكر الشرك وقيادة المشركين في حرب الإسلام إلى قبيلتي هوازن وثقيف [1] والصدام مع المسلمين في غزوة حنين ترتب على النصر العظيم الذي أحرزه المسلمون في مكة، ردود فعل متباينة بين القبائل العربية المجاورة لها، فقد انقسمت إلى فريقين:


أولاهما: القبائل التي رضخت للأمر، وقررت سلوك طريق السلامة، بعد أن رأت إذعان قريش لسلطان المسلمين، فأسلمت وأعطت ولاءها للرسول صلى الله عليه وسلم.


والثانية: ثارت حفيظتها وظلت على شركها، معتزة بجاهليتها وأصنامها، وامتنعت عن الاستسلام للرسول صلى الله عليه وسلم وللمسلمين، وفي مقدمة هذه القبائل هوازن وثقيف ومن حولهما من قبائل العرب كنصر وجُشَم وسعد بن بكر وغيرهم.


فبعد كسر شوكة المشركين بمكة وتطهير الحرم وإرسال السرايا للإجهاز على الأوثان المحيطة بمكة، خشيت هذه القبائل أن يدركها ما أدرك قريشا[2]، فاجتمع قادتها وتدارسوا الأمر، وأجمعوا على رفع راية الحرب ضد المسلمين، ووقف مد الإسلام، قبل أن يستفحل خطره عليهم، ومبادرتهم بالهجوم والقتال،[3] فحشدوا قواهم واستنفروا من حولهم لتوجيه ضربة قاصمة للمسلمين، وخرجوا عن بكرة أبيهم بنسائهم وذراريهم وأنعامهم، لتكون خلفهم، فيندفعوا مستميتين في القتال دفاعا عن أعراضهم وأموالهم، ومضوا حتى نزلوا حنينا، وقائدهم يومئذ مالك بن عوف النصري[4][5].


وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم[6]، فسارع بالخروج إليهم قبل أن يدهموا المسلمين بمكة، فخرج إليهم في عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه لفتح مكة، وخرج معه ألفان من أهل مكة-الطلقاء- فيهم من أسلم ومنهم من هو على شركه[7]، فكانوا اثني عشر ألفا[8].


وقد كان لوجود الطلقاء في الجيش آثار سلبية، فقد كانوا حديثي عهد بالإسلام، ولم يتخلصوا من كل الرواسب الجاهلية المستقرة في أعماقهم وحياتهم، فلما رأوا أثناء طريقهم إلى حنين شجرة تعرف بذات أنْوَاط[9]، يُعلق عليها المشركون أسلحتهم ويتبركون بها، قالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال:(( سبحان الله هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن[10] سنة من قبلكم))[11].


كما كانت تلك الكثرة في العدد والعدة، مثار افتخار لبعض المسلمين، وباعثا على البشر والإعجاب، فقيل:( لن نغلب اليوم من قلة)[12]، فعاتبهم الله بعد ذلك على إعجابهم بكثرتهم، وعدم اتكالهم الخالص على الله، فقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ [التوبة: 25][13]، ولكن إزالة رواسب الجاهلية وتربية الجموع لا تتم بين عشية وضحاها، ولم يعاقبهم النبي صلى الله عليه وسلم أو يعنفهم لعلمه بحداثة إسلامهم[14].


ولما انتهى الجيش الإسلامي إلى حنين، هاجمهم المشركون في عماية الصبح، فبوغت المسلمون بمكامن عدوهم وترصدهم لهم، وأمطرهم المشركون بالنبال، فدب الذعر في نفوس بعض المسلمين، من هول المفاجأة، وتفرقت صفوف الجيش الإسلامي، وولى من ولى من المسلمين وخاصة الأعراب والطلقاء.


وكان بعضهم لم يصلب إيمانه بعد فتكلم بخبيئة نفسه، فقال أبو سفيان: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. وقال جَبَلة بن الحنْبل[15] لما رأى انهزام المسلمين: ألا بطل السحر اليوم. وقال سهيل بن عمرو: لا يجتبرها محمد وأصحابه. فقال له عكرمة: هذا ليس بقول، وإنما الأمر بيد الله وليس إلى محمد من الأمر شيء، إن أُديل عليه اليوم فإن له العاقبة غدا.


كما حاول شيبة بن عثمان بن أبي طلحة قتل النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتمكن من ذلك وعلم أنه ممنوع، ثم وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدره ودعا له فذهب عنه الشيطان، وقاتل بين يديه[16].


وكان موقفا عصيبا ثبت فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وحوله قلة من المهاجرين والأنصار[17]، ضاربين بذلك أعظم مثل في الفداء والشجاعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي المسلمين وهم يمرون أمامه: (( أين أيها الناس))، ثم أمر بتخصيص النداء للأنصار، فثارت حميتهم وهم يسمعون الهتاف باسمهم، وتجمعوا حول الرسول صلى الله عليه وسلم، فقاتلوا بين يديه حتى لاحت بشائر النصر، وانهزمت جموع المشركين هزيمة منكرة، وطارد المسلمون فلولهم وتعقبوهم، إلى أن ألحقوا بهم الهزيمة في أوطاس، ونصر الله تعالى جيش الإيمان على جيش الكفر، وكانت هذه الغزوة هي المحاولة الأخيرة من العرب للوقوف أمام المسلمين ومحاربة الدعوة الإسلامية.


وتأثر من حضر الغزوة من المشركين من أهل مكة بهذا النصر العظيم الذي منَّ الله به على رسوله والمؤمنين فدخل في الإسلام يومئذ ناس كثير حين رأوا نصر الله رسوله[18].


وحاز المسلمون الغنائم الوفيرة التي أحضرها المشركون خلفهم، وسبوا نساءهم وأبناءهم[19]، والتجأ فلولهم إلى الطائف، فتوجه الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم وحاصرهم في حصونها مدة طويلة، ثم أذن بالعودة ودعا لهم فقال:(( اللهم أهد ثقيفا وائت بهم))[20].


وكانت هذه المعركة هي آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم مع بقايا المشركين من العرب، فلم يقم بعدها للشرك قائمة في جزيرة العرب.


وظهرت حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في توزيعه غنائم هوازن وثقيف، وذلك حين أعطى زعماء قريش ووجهاء العرب ممن حضر الغزوة عطاء كثيرا منها، تأليفا له وليكسبهم إلى جانب الإسلام، ويستجلب بها قلوب أقوامهم، وترك الأنصار فلم يعطهم منها بل وكلهم إلى إسلامهم، وقال صلى الله عليه وسلم معللا توزيعه الغنائم على مسلمة الفتح ومنعها الأنصار- لما وجدوا في أنفسهم:- (( إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم))[21].


وقد آتت مواقف البذل والعطاء ثمارها، فألانت هذه الأعطيات قلوب هؤلاء الزعماء وأتباعهم، واستمالتهم إلى الإسلام فرضوا به، ودخلوا فيه طائعين، يقول صفوان بن أمية رضي الله عنه لما أعطاه النبي مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة-:(والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي)[22]، فأسلموا ثم حسن إسلامهم وصار من مسلمة الفتح والمؤلفة قلوبهم الدعاة لدين الله، والمجاهدون في سبيله، وأبلوا في الجهاد لنشر الإسلام بلاء حسنا.

============================
[1] انظر السيرة النبوية الصحيحة 2/488، وحديث القرآن عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم 2/ 564.
[2] ذكر الطبري في تاريخ الأمم والملوك أنهم كانوا قد جمعوا قبل فتح مكة، وذلك حين سمعوا بخروج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، وهم يظنون أنه إنما يريدهم 3/70.
[3] انظر دراسة في السيرة ص 250.
[4] هو مالك بن عوف بن سعد بن يربوع النصري، أسلم بعد حنين، فكان يقاتل ثقيفا ويغير عليهم، وكان من المؤلفة، له صحبة، وشهد القادسية وفتح دمشق رضي الله عنه. بتصرف، الإصابة 3/352.
[5] انظر المستدرك على الصحيحين كتاب المغازي 3/ 48 وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 4/ 65، وتاريخ الطبري 3/ 70، وعيون الأثر 2/ 242، والطبقات الكبرى 2/ 149 وقال: إن مالك بن عوف يومئذ ابن ثلاثين سنة.
[6] بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا حدرد الأسلمي رضي الله عنه وأمره أن يدخل في الناس ويقيم فيهم حتى يعلم خبرهم فيأتي به ففعل، انظر المستدرك على الصحيحين كتاب المغازي 3/49، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 4/ 68.
[7]جاء في السيرة الحلبية: خرج مع الرسول صلى الله عليه وسلم ثمانون من المشركين، وخرجوا وهم يرجون الغنائم. 3/ 64.
[8] وقد روى الإمام البخاري أنه (لما كان يوم حنين التقى هوازن ومع النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف والطلقاء..)كتاب المغازي باب غزوة الطائف 5/105، وروى الحاكم: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم أتى هوازن في اثني عشر ألفا..) المستدرك على الصحيحين كتاب الجهاد 2/121 وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[9] ذات أنواط: هو اسم لشجرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها أسلحتهم، أي يعلقونها بها، ويعكفون حولها، وأنواط جمع نَوْط. النهاية في غريب الحديث 5/ 128.
[10] لتركبن: أي لتتبعن، والسنة: الطريقة حسنة كانت أم سيئة، والمراد هنا: طريقة أهل الأهواء والبدع التي ابتدعوها من تلقاء أنفسهم بعد أنبيائهم، من تغيير دينهم وتحريف كتابهم كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل. بتصرف، تحفة الأحوذي 6/ 408.
[11] رواه الترمذي في سننه كتاب القدر باب ما جاء لتركبن سنة من كان قبلكم 4/ 475، ح 218 وقال حديث حسن صحيح، ورواه الإمام أحمد في المسند 5/ 218 عن أبي واقد الليثي، وعنه رواه الحميدي في مسنده 2/375 ح 848، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 4/ 71، وللاستفادة انظر مرويات غزوة حنين وحصار الطائف 1/133-134.
[12] انظر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لابن هشام 4/ 73، وقال د. إبراهيم القريبي: إن الآثار الواردة في تعيين القائل كلها ضعيفة، ولكنها تتفق في شيء واحد، هو حصول هذا القول من أحد أفراد الجيش الإسلامي، ويزيدها قوة قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ﴾ [التوبة: 25]. انظر مرويات غزوة حنين والطائف 1/ 139.
[13] سورة التوبة جزء من آية 25.
[14]بتصرف، السيرة النبوية الصحيحة: 2/498.
[15] وقيل: كَلَدة بن حنبل، وقال في الإصابة: كَلَدة بن حسَل، حليف بني جُمح، وهو أخو صفوان بن أمية لأمه، خرج مع النبي مشركا إلى حنين، ثم أسلم بعدها وأقام بمكة. بتصرف الإصابة 3/54.
[16] انظر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 4/ 72، والمغازي: الواقدي 3/910، وعيون الأثر 2/254، وزاد المعاد 3/ 469، والبداية والنهاية 4/ 327. وقد رجح د. إبراهيم القريبي ضعف هذه الروايات وقال: وإنها على ضعفها تدل على وجود الحقد وكان قولهم بمثابة التشفي من المسلمين، والرغبة في اندحار الحق، وهذا يمثل ضيق نفوس هؤلاء بالإسلام وحبهم للعهد الجاهلي وبقائه، ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره وينصر نبيه . بتصرف، مرويات غزوة حنين والطائف 1/ 169.
[17] وكان ممن لازم الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يفارقه عمه العباس وابن عمه أبو سفيان بن الحارث رضي الله عنهما، انظر الحديث في صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير باب في غزوة حنين 3/ 1398 ح 1775.
[18]بتصرف، البداية والنهاية 4/ 330.
[19] وكانوا ستة آلاف نفس من النساء والأطفال، وكانت الإبل أربعة وعشرين ألفا، والغنم أربعين ألف شاة، كما ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري 8/ 48 ح 4330.
[20]انظر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 4/65 و 122، والمغازي: الواقدي 3/ 885 و 922، و تاريخ الأمم والملوك 3/ 70 و 82، والبداية والنهاية 4/ 322 و 345، وزاد المعاد 3/ 484 .
[21] صحيح البخاري كتاب المغازي والسير باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان 5/ 105، وفي رواية أخرى قال:(( إني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم)) 5/ 104.
[22] صحيح مسلم كتاب الفضائل باب ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال لا، وكثرة عطائه 4/ 1806 ح 2313.